عاجل

الذكاء الاصطناعي... السلاح ذو الحدين!

  • 77

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلم يمضِ منتصف القرن العشرين حتى تعرَّف الإنسان على التفاعلات النووية، فكانت سلاحًا ذا حدين: باستعمال تلك التفاعلات سلميًّا في الإنتاج الهائل للطاقة بالمحطات النووية؛ إضافة إلى استعمالات أخرى طبية وغيرها. 

كما أنها استخدمت أيضًا لصناعة الأسلحة الذرية شديدة التدمير، والتي باتت تهدد بفناء الحياة البشرية. واليوم ولم يمضِ ربع قرن من القرن الحادي والعشرين حتى طرق الإنسان باب برامج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتي تعد أيضًا سلاحًا هائلًا ذا حدين، من خلال تطبيقاته المذهلة في المجالات المختلفة، وسلبياتها الكبيرة المحتملة في جوانب متعددة من الحياة.

الذكاء الاصطناعي: هو فرع حديث من علوم الكومبيوتر الذي يهتم ببناء أجهزة وأنظمة قادرة على محاكاة الطريقة البشرية بحيث تتصرف مثل البشر من حيث الاستنتاج في سرعة، فهو تخصص يعتمد على دراسة العوامل التي تعمل على فهم التصورات المستمدة من البيئة لتحليلها وتحويلها إلى ردِّ فعل ذكي استجابة له.

فالذكاء الاصطناعي: مصطلح يشمل التطبيقات التي تؤدي مهامًا معقدة كانت تتطلب من قبل تدخلات بشرية كثيرة؛ إنه الذكاء الذي تبديه الآلات والبرامج بما يحاكي الطريقة البشرية وأنماط عملها، مثل: الاستنتاج، ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج في الآلة، وكيفية صنع كمبيوترات وبرامج قادرة على اتخاذ سلوك ذكي. 

فتعمل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بذلك على تحسين أداء المؤسسات والشركات عن طريق القيام بالعمليات، والمهام التي كانت تتطلب وجود القوة البشرية الكبيرة فيما مضى، كما يمكن للذكاء الاصطناعي فهم البيانات بدقة وسرعة، وعلى نطاق واسع لا يمكن لأي إنسان تحقيقه، مما يعود بمزايا كبيرة جدًّا على الأعمال وإدارتها؛ فهو ذكاء اصطناعي يتميز بالقدرة على التعلم من خلال تحليل كميات كبيرة من البيانات، بالاعتماد على خوارزميات التعلم الآلي لتحسين الأداء، وقوة هذا الذكاء في قدرته على أداء المهام بسرعة ودقة لا تصدق، ويمكنه معالجة كميات كبيرة من البيانات في فترة زمنية قصيرة، ثم اتخاذ القرارات بناءً على تلك البيانات، والتي يمكن أن تكون مفيدة بشكل لا يصدق في العديد من مجالات العمل والحياة.

ويعد هذا التخصص من التخصصات التي ستتزايد الحاجة إليها بشدة في المستقبل؛ نظرًا لاتجاه الشركات والمؤسسات إلى الاستفادة من اتباع نظم هذا الذكاء الاصطناعي في الإدارة داخلها أو في التواصل مع العملاء خارجها. 

ويتميز هذا الذكاء الاصطناعي بأنه:

- يمكن تشغيله بشكل مستمر.

 - يصل إلى الإجابات الصحيحة بنسبة كبيرة.

- مساحة الخطأ فيه تقل يومًا بعد يوم. 

والمأمول أن لا يكون الذكاء الاصطناعي بديلًا عن الذكاء البشري، بل مساعدًا له، يزيده بعدة طرق، من خلال تعزيز قدراته المعرفية وتمكينه من تحقيق آفاق جديدة من الإنتاجية والإبداع وحل المشكلات، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يزيد الذكاء البشري بتزويده بإمكانية الوصول إلى كميات هائلة من المعلومات والمعرفة، باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وسرعة تفسيرها بطرق كانت سابقًا أشبه بالمستحيل؛ مما يسمح باتخاذ قرارات أكثر استنارة، واكتساب رؤى حول المشكلات المعقدة، أي: العمل بكفاءة وفاعلية كبيرة، وفتح آفاق جديدة للإبداع لم تكن متوفرة من قبل. 

ولكن يبقى الخوف من أن يحل الذكاء الاصطناعي تدريجيًّا محل الوظائف البشرية، وبالتالي محل العمالة البشرية، كما يخشى مع تصميمه وبرمجته أن لا يراعي الجوانب العاطفية والأخلاقية والإنسانية في استنتاجاته وقراراته، فمع إمكانية تعرف الذكاء الاصطناعي على المشاعر والعواطف البشرية والاستجابة لها إلى حدٍّ ما من خلال تقنيات، مثل: تحليل العواطف والمشاعر، فمع ذلك فإن الذكاء الاصطناعي لا يشعر بالعواطف مثل البشر؛ لأنه ببساطة يعالج البيانات ويتفاعل معها بناءً على تم برمجته عليه؛ مما يجعل من الضروري التعامل معه بحذر وعناية، مع مراعاة الاعتبارات العاطفية والإنسانية والأخلاقية عند برمجته، واستخدامه على نطاق واسع.

الموظفون مهددون:

يمتلك تطبيق (شات جي بي تي) تكنولوجيا مذهلة، وقد تم إطلاقه مؤخرًا من أحد أكثر مختبرات أبحاث الذكاء الاصطناعي تأثيرًا في العالم، وهو واحد من العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي التي تم إصدارها، بما في ذلك مولدات الصور، ومولد الفيديو، وهي تنتج قدرًا هائلًا من المحتوى الرقمي بسرعة كبيرة وبتكلفة زهيدة. وقد استخدم تطبيق (شات جي بي تي) بالفعل في مساعدة الطلاب على كتابة الأبحاث، واستخدمته شركات لإنشاء نسخ لمواقعها الإلكترونية وموادها الترويجية وللرد على استفسارات خدمة العملاء، ويستخدمه محامون لكتابة موجزات قانونية، ويستغله باحثون لإنتاج أبحاثهم. 

وبحسب خبراء التكنولوجيا، فإن تطبيقات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على مهام كان يظن أنه من المستحيل أن تتأثر بالذكاء الاصطناعي، وبالتالي ستبعد خدماتها عمل الكثير من وكلاء خدمة العملاء والمساعدين القانونيين، ومن المبرمجين، ومنتجي ومسوقي المحتوى الرقمي، والمساعدين التنفيذيين، ومؤلفي النصوص والصحفيين؛ إذ إن الشركات والمؤسسات عندما يمكنها استبدال الآلات بالموظفين لديها؛ فإنها قطعًا ستفعل ذلك، وهذا يعني أن مثل كل هذه الوظائف قد تتغير قريبًا، وسيكون لهذا الاتجاه تأثيره الكبير على سوق العمل، حيث سيفقد الكثيرون وظائفهم التي هم عليها الآن، وتقدر إحدى دراسات أكسفورد أن 47 % من الوظائف الأمريكية أصبحت في خطر.

يقول الكاتب أحمد أبو المعاطي عن صناعة الروبوتات في العالم في مقال له بجريدة الأهرام الأسبوعي تحت عنوان: (عالم الذكاء الاصطناعي): (فمنذ سنوات وتلك الصناعة تشهد طفرة علمية مدهشة للدرجة التي أصبحت معها بعض هذه الروبوتات قادرة على إنتاج اللغة ومحاكاة المشاعر والأحاسيس البشرية، وبدقة تبدو مخيفة من قرب هذا اليوم الذي يتوقع فيه أن تحتل الروبوتات العالم فتتحكم في مصائر البشر. وتقول وكالة الأنباء الفرنسية في تقرير مثير لها: إن سلطات الأمن في سان فرانسيسكو تدرس منذ فترة السماح لعناصر من شرطتها باستخدام روبوتات حديثة ومتطورة قادرة على ملاحقة المجرمين وتوقيفهم، وربما قتلهم إذا ما استدعى الأمر). 

ويقول عن تطبيق (شات جي بي تي): (هذا التطبيق المذهل المسمَّى: (شات جي بي تي) بما يملكه من قدرات مدهشة من شأنها أن تحول قطاعات واسعة من المشتغلين في جميع الوظائف إلى التقاعد؛ إذ يبدو التطبيق منذ الوهلة الأولى لاستخدامه أقرب ما يكون إلى مكتبة كونية ضخمة توفر إجابات متنوعة على كثير من الأسئلة التي تتعلق بمختلف ألوان المعرفة البشري التي أنتجها الإنسان على مرِّ العصور!). 

وأضاف: (والتطبيق يثير العديد من المخاوف من محاولة استغلال قدراته المدهشة في كثير من الأمور السيئة، وعلى رأسها -حسبما تقول تقارير صحفية عدة-: برمجة وتصميم أجيال جديدة من الفيروسات الإلكترونية القادرة على اختراق أعتى الأنظمة الإلكترونية استقرارًا وأمانًا، بل وصناعة أدوات تدمير وقتل أكثر احترافية، وهي مخاوف لم تبددها تأكيدات الشركة المنتجة للتطبيق بأنها دربت البرامج على رفض الإجابة على مثل هذه النوعية من الأسئلة). 

الذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية:

بدأت بعض الدول في محاولة استخدام الذكاء الاصطناعي في تعزيز قدرة الأطباء على تشخيص الأمراض والتنبؤ بها، ففي الأرجنتين -على سبيل المثال-:

- وخلال انتشار مرض كورونا في منتصف 2020 تم إطلاق برنامج لتعزيز عمليات فحص فيروس كورونا المستجد يسمح فيه بتسجيل أي شخص لصوت سعاله على النظام الصوتي لـ(واتساب) ثم إرسال هذا التسجيل عبر الإنترنت لتحليله من خلال البرنامج والتعرف على مدى مطابقة المقطع الصوتي المرسل مع أنماط الحالات الإيجابية، وبالتالي توصية راسل الصوت بالخضوع للفحص عبر المسحة الطبية من عدمه، وتقوم الفكرة استنادًا إلى شبكة ذكاء اصطناعي عصبية بوسعها تحليل الأصوات والأنفاس وأصوات السعال. وقد بلغت نسبة دقة التنبؤات للبرنامج 8 %، رغم أنه بالطبع ليس اختبارًا للكشف عن المرض، لكنها كانت البداية للفكرة.

- ولابتكار تقنية للكشف عن عوامل الأمراض في مرحلة مبكرة باستخدام الذكاء الاصطناعي تم إنشاء منصة في سبتمبر 2021 تطلق على صفحتها عبر الإنترنت أداة مجانية تستخدم خوارزمية مبنية على التعلم العميق للشبكات العصبية للتنبؤ بمخاطر الإصابة بأمراض القلب أو مرض السكر من النوع الثاني، حيث يسجل المريض استبيانًا موجزًا ويرسله، ويرسل معه صورة ذاتية لوجهه يتم التقاطها بأي جهاز في وجود إضاءة كافية يكون معها الوجه واضحًا بشكل لا لبس فيه، ومن خلال تحليل الصورة في ثوانٍ معدوداتٍ تحدد مستويات احتمال إصابة هذا الشخص بتلك الأمراض، حيث تحلل الخوارزمية أنماطًا محددة للوجه، كشكل تجاعيد على الأذن، أو رواسب دهنية صغيرة تكون على الجفن، ونحو ذلك، ربما تكون مرتبطة بمؤشرات مبكرة جدًّا لمرض محتمل، وتكون هذه المؤشرات غالبًا خفية على العين المجردة. 

وقد كشفت هذه التجارب عن مستوى دقة في التنبؤ بالمرض، بلغت 71% في أمراض القلب، و72% في مرض السكر، وهي: وإن كانت نتائج استدلالية ليست تشخيًصا حاسمًا؛ لذا ينبغي أن يعقبها إجراء الفحوصات السريرية والمعملية للتأكد، إلا أنها تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن بسهولة وبسرعة أن يكون حليفًا مفيدًا للأطباء في مجال الرعاية الصحية.

- بينما في 2017 تأسست شركة (إنتيلاي) المتخصصة في تطوير الذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية، التي دمجت الذكاء الاصطناعي بالتصوير التشخيصي اعتمادًا على خوارزميات التعلم العميق المستخدمة في الدراسات العصبية، للكشف المبكر عن الأمراض التي تتطلب الدقة في التصوير بالرنين المغناطيسي، فساهم تطبيق الذكاء الاصطناعي في قياس حجم المخ، والكشف عن التغيرات الطارئة عليه، واكتشاف أمراض يصعب اكتشافها بالعين المجردة، إلا بعد حدوث تغيرات حادة للغاية في المخ، واكتشاف أمراض في الرئتين أعلى من دقة كشف أكثر الأطباء تخصصًا.

- وقد تم أيضًا تصميم خوارزمية بوسعها تصنيف الأورام المرصودة في صور الثدي الإشعاعية لمريضات سرطان الثدي للتعرف على نوع الورم وحدته، وتحديد خبث الورم من عدمه، لمساعدة الأطباء في الكشف على حالات سرطان الثدي، وبلغت فاعليته 93 % في الكشف عن الأورام في صور الثدي الإشعاعية، و90 % في تصنيف أنواع الأورام، و70 % في تحديد مدى خبث الورم.

وهذا بالطبع يختصر عمل الأطباء، ويحد من حالات التأخر في التشخيص، وهذا أمر بالغ الأهمية في علاج سرطان الثدي (راجع مقال: الذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية" المجلة العربية - عدد 551 - أغسطس 2022 - محرم 1444، ص 91-94).

هل للذكاء الاصطناعي دور في الإفتاء والدعوة؟

بات الذكاء الاصطناعي قضية مُلِحَّة بين الباحثين والمطورين في شتى المجالات، مما يحتم على الجهات الإفتائية الرسمية والمؤسسات الدينية بذل مزيد من الجهد في التطوير التكنولوجي وابتكار تقنيات ووسائل تكنولوجية جديدة تقوم على قاعدة معرفية تشمل المصادر والمراجع الصحيحة عن الإسلام، وتفنيد الأطروحات المزيفة والأباطيل، مع اتخاذ التدابير والإجراءات التي تحافظ على قيم ومبادئ الإسلام، والحفاظ على هوية وثقافة المجتمعات الإسلامية؛ خاصة وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي علمية بحتة مجردة من الأخلاق والقِيَم.

طرح أيضًا الأستاذ طارق أبو هشيمة مدير المؤشر العالمي للفتوى التابع لدار الإفتاء المصرية عددًا من التساؤلات والتخوفات المتعلقة بالتأثير المستقبلي لتلك التقنيات على الوضع الديني والإفتائي، من أهمها: كيف ستتعامل الروبوتات مع الأسئلة التي تحمل فتاوى متضاربة؟ وما المصدر الأساسي التي تستقي منه المعلومات؟ وهل ستعتمد على الفتاوى الرسمية أم المتصدرة لمحركات البحث من المواقع المتخصصة؟ وهل ستراعي الزمان والمكان وفقه الواقع عند الرد على الفتاوى المتعلقة بالمستجدات والنوازل؟ 

وتابع تساؤلاته: هل ستمر الفتوى عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي بمراحلها الأربع من تصوير وتكييف وبيان الحكم ثم مرحلة الإفتاء، أم ستعتمد على الفتاوى المختصرة التي تغزو مواقع التواصل الاجتماعي دون تكييف أو تصوير دقيق للفتوى؟ وكيف ستتعامل الروبوتات مع الفتاوى المتطرفة التي تغزو تلك المواقع؟ وهل ستراعي فتاوى الذكاء الاصطناعي اختلاف النطاقات الجغرافية وظروف كل دولة وأحوالها الاقتصادية والسياسية أم لا؟ (راجع المصدر السابق).

أما الدكتور رضا عبد الواجد أمين عميد كلية الإعلام بجامعة الأزهر فيقول: (الذكاء الاصطناعي واحد من التقنيات المهمة التي من المتوقع أن تحدث طفرات نوعية فيما يتعلق بتسهيل حياة الأفراد، وربما تغيير نمط حياتهم، فلا أرى خطورة من هذه التقنية، بالعكس أراها تنطوي على كثير من الإمكانات التي يمكن توظيفها لتسهيل نشر المعرفة الدينية. فما المانع مثلًا من أن تعتمد المؤسسات الدينية على تقنية (الشات بوت) في إجراء آلية مع الجمهور واستقبال استفساراتهم وتحويلها إلى المختصين؟ وما المانع أن يستعين الداعية أو المفتي بتقنيات الذكاء الاصطناعي في استدعاء كل ما كتب عن قضية من القضايا واستنتاج الخلاصات بشأنها؟ إن الداعية والمفتي وكل من يقدم المعرفة الدينية عليه أن يستفيد من هذه التقنيات الحديثة، وأن يوظفها لخدمة الجانب الدعوي). 

ويضيف: (إلا إنه لا إنكار أن لها أبعادًا سلبية؛ خاصة في المراحل الأولى لانتشارها، لكن يمكن التعامل مع المخاوف إزاءها باتخاذ عددٍ من التدابير التي يمكن أن تحد من خطورة تلك السلبيات. وأؤكد أنها لا يمكن أن تكون سببًا لتجاهل هذه التقنيات الحديثة أو الاستفادة من إمكاناتها الهائلة في المجالات المختلفة، ومنها: المجال الدعوي؛ إذ إن تطبيق (شات جي بي تي) مثلًا قادر على إعداد بحث في ثوان عن أي موضوع، لكن في النهاية يبقى للإنسان الذي خلقه الله وكرمه، دوره القائد في توظيف هذه المعلومات والتقنيات والاستفادة منها بشكل صحيح) (راجع مقال: "توظيف الذكاء الاصطناعي يخدم الدعوة والإفتاء: التشريعات الرادعة ونشر الوعي أهم سبل مواجهة الجرائم الإلكتروني"، الأهرام - عدد الجمعة 26 مايو 2023، ص 16).

 عالم من الروبوتات:

والروبوت هو ما يطلق عليه: (الإنسان الآلي)، ويعد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث يحمل خصائص كخصائص البشر مع صغر حجمه. وقد بدأ الروبوت يغزو أسواق للعمل في العديد من دول العالم: كاليابان، وكوريا الجنوبية، والصين، وغيرها؛ فهو بدل النادل في المطاعم يتلقى الطلبات من الزبائن ويقدم لهم الطعام، وهو في البنوك مبرمج على أن يجيب عن الأسئلة الشائعة للعملاء، وهو موظف استقبال في بعض المصالح الحكومية، وهو في المستشفيات لمساعدة الأطباء والتمريض، وفي دار المسنين لخدمة المقيمين بها، وفي بعض المنازل للطبخ والتنظيف وخدمات أخرى، بل وفي المعابد لتقديم المعلومات عن الديانة البوذية للمترددين عليها، وهذا الروبوت يمكنه العمل لمدة 72 ساعة متصلة.

وتعوِّل الصين -وهي ثاني أكبر اقتصاد في العالم- على صناعة الروبوتات كمحرك رئيسي للثورة الصناعية القادمة؛ حيث ذكرت الحكومة الصينية عام 2014 -ولأول مرة- الروبوت في تقريرها في سياق سعي البلاد لتحقيق طفرة كبرى في التحديث التكنولوجي، وخصَّصت الحكومة الصينية المليارات للبحث والتطوير في هذا المجال. 

وقد شجعت السياسات المحفزة في هذا الشأن على تسجيل أكثر من شركة جديدة لإنتاج الروبوتات المحلية في الصين، ووفقًا للاتحاد الدولي: فإن الصين أصبحت أكبر سوق للروبوتات الصناعية منذ 2013، وشكلت المصانع الصينية 25% من الروبوتات الصناعية في العالم عام 2014. 

وفي ضوء الهيكل الصناعي الضخم للصين، وتوفر إستراتيجية صنع في الصين 2025، يرى خبراء إمكانيات كبيرة للزيادة في تصنيع الروبوتات؛ خاصة مع العدد الكبير من خريجي كليات الهندسة والعلوم والتكنولوجيا كل عام؛ إذ تأتي الصين في ذلك في المرتبة الثانية بعد الهند، وفي المقابل يتوقع أن تحل الروبوتات محل 5و3 مليون عامل في الصين. 

الذكاء الاصطناعي في الجيوش:

يتم حاليًا استخدام الذكاء الاصطناعي في العديد من التطبيقات العسكرية في أمريكا وأوروبا؛ ففي أمريكا تعمل وزارة الدفاع بنشاط على استكشاف إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في الجيش، بداية من أنظمة الأسلحة إلى أدوات دعم القرار، وقد تم إنشاء مركز الذكاء الاصطناعي المشترك لتسريع تبني وتكامل الذكاء الاصطناعي عبر الجيش. 

ومن الأمثلة البارزة لاستخدام الذكاء الاصطناعي: استخدام خوارزميات التعلم الآلي لتحليل لقطات الطائرات بدون طيار، وتحديد الأهداف للضربات العسكرية القادمة المحتملة، واستخدام هذه الطائرات في عمليات الاستطلاع والمراقبة. وفي أوروبا: أنشأت وزارة الدفاع البريطانية في يونيو 2022 مختبرًا لاستكشاف إمكانيات استخدام الذكاء الاصطناعي الدفاعية. وفي فرنسا: تم إنشاء وكالة ابتكارات دفاعية لدعم وتطوير واعتماد الذكاء الاصطناعي في الجيش. وتستخدم بعض الدول الأوروبية الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني وجمع المعلومات الاستخباراتية.

وتطبق الصين إستراتيجية اندماج عسكري مدني لدمج الذكاء الاصطناعي في ثلاث مجالات مشتركة: معالجة المعلومات والأسلحة واتخاذ القرار؛ ففضلًا عن الطائرات التي تعمل بدون طيار، والتي تحظى الصين بحصة سوقية عالمية كبيرة، فهناك مؤخرًا روبوتات هجومية تحمل البنادق، وتلقي القنابل على خطوط الجبهة. وروبوتات تستخدم في محاربة الإرهاب تقوم بعمليات استطلاعية مبدئية، ويمكنها اكتشاف الغازات السامة والمواد الكيماوية والمتفجرات ونقل بيانات الجنود.

وفي ظل المخاوف الأخلاقية والقانونية -خاصة فيما يتعلق بتطوير ونشر أنظمة الأسلحة-: فهناك دعوات إلى ضرورة وضع لوائح واتفاقات دولية لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الجيوش؛ إذ من المفترض أن تلتزم الجيوش بقواعد متفق عليها تحكم استخدام الأنواع المختلفة من الأسلحة في ظل التغيرات الكبيرة المتوقعة للتكيف مع حروب مستقبلية ليست آمنة، ولا موثوق بها في ظل الأنظمة الجديدة التي تدعم بالذكاء الاصطناعي.