الفتح | قلعة الصناعة تبحث عن منقذ.. "الحديد والصلب" تخسر 745 مليون جنيه خلال عام!

قلعة الصناعة تبحث عن منقذ.. "الحديد والصلب" تخسر 745 مليون جنيه خلال عام!

كتــبه : طارق بهجات

أرشيفية


تعمل بربع طاقتها.. مسئولون: الصيانة متوقفة من 40 سنة


طن الحديد مرشح لـ15ألف جنيه.. ومخاوف من بيع الأصول


 

تراجعت قلعة صناعة الحديد والصلب في مصر، بعد أن سطرت سبقًا تاريخيًا في بداية الإنتاج لـ 1.5مليون طن في العام الواحد.


 ولعبت الشركة دورًا مهمًا ومحوريًا في العديد من الصناعات المحلية والاستراتيجية، حيث استخدمت القضبان الصلب، والألواح المعدنية والشدادات والأسلاك والـ "وايرات" والكمرات العملاقة في منشآت الكباري والسد العالي، فضلاً عن أبراج الكهرباء والضغط العالي.


 بدأ التفكير لأول مرة في إنشاء مجمع الحديد والصلب عام 1932 أثناء الاحتلال الإنجليزي لمصر، وبعد تولي الرئيس محمد نجيب، مقاليد الحكم في البلاد، أراد تنفيذه على أرض الواقع، لكن لم ينفذ على أرض الواقع، فجاء عبدالناصر وبدأ في استخراج الخرائط والرسومات الهندسية، ومطالعة المنطقة وإجراء المسح الجيولوجي والهندسي لمنطقة التبين جنوب حلوان، بمساحة 3000 فدان، وتم تدشين وإنشاء ميناء خاص في منطقة الدخيلة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، بالتوازي مع خطوط للسكك الحديدية من أسوان والواحات لتوصيل المواد الخام من المناجم والمحاجر إلى مجمع الحديد والصلب بالتبين، وفي 14 يونيو عام 1954، أصدر جمال عبد الناصر، مرسومًا جمهوريًا بالإعلان الرسمي عن تأسيس الشركة في منطقة التبين بمدينة حلوان،  كأول مجمع متكامل لإنتاج الصلب في العالم العربي برأسمال  قدره 2.1 مليون جنيه، موزع على أسهم يمتلكها الشعب، قيمة السهم 2 جنيه، يسدد بالقسط خلال عامين.


مدينة الصلب


تبلغ مساحة مجمع الحديد والصلب 2500 فدان، ومدينة عمالية ومسجد ووحدة صحية ونقطة إسعاف وشرطة على مساحة 500 فدان، بإشراف حكومة ألمانيا الشرقية، وتنفيذ شركة "ماك دوسبرك " التابعة لحكومة ألمانيا الشرقية.


وتم ربط ميناء الدخيلة بمجمع الحديد والصلب لتوريد فحم الكوك ومنتجات التصنيع، باستخدام خطين متوازيين للسكك الحديدية، الأول يربط ميناء الدخيلة بالمجمع في التبين، والثاني يستخدم في توريد خام الحديد من الواحات البحرية إلى مجمع الحديد والصلب في منطقة التبين.


 وتم تخصيص مناجم ومحاجر بأسوان لتغطية احتياج المصنع، كان إنتاج المجمع في البداية 210 ألف طن، وبمجرد إنتاج مصر من الحديد بدأت الصناعات المحلية تأخذ دورها على المحيط العالمي، فبدأ الحديد والصلب في ضخ إنتاجه، ليدخل في إنتاج السكك الحديدية وإنشاء المصانع الغلايات في مصانع شركة "المراجل البخارية".


الإنتاج يقفز لـ1.5مليون


ومع عمليات التطوير المستمرة، وانخراط العمال المصريين في العمل والصناعة، زاد الإصرار والتحدي، فعرض الرئيس الراحل عبد الناصر على الروس تطوير المجمع، فأدخلوا توسعات على خطوط الإنتاج ومربعات الصب، وأفران الصهر، والأبراج؛ فزاد الإنتاج من 300 ألف طن سنويًا إلى 1.5 مليون طن أواخر الستينيات، وتميز إنتاج المجمع بمنتج مشكل صلب، وألواح، وقضبان، وفلنكات حديدية وبلنجات القطارات، بالإضافة إلى الزوايا والكمرات والستائر الحديدية وأنابيب ومستودعات البترول، إضافة إلى مساهمته الكبيرة في تصنيع منتجات السماد الفسفوري.


وبمرور السنين ودخول البلاد في حروب ومعارك تراجع المشروع، وقل الإنتاج حتى وصل لنصف مليون طن، ومع الانفتاح الاقتصادي، الذي تزعمه السادات "زاد الطين بلة"، فدخل القطاع الخاص لأول مرة وانفتح باب الاستيراد فتحولت الصناعة إلى عالة وتوقف الإنتاج، وظهرت الرأسمالية المتوحشة، واغتنى أناس كانوا في الأصل "تجار خردة" تحولوا فيما بعد لأصحاب شركات ومصانع.


وفي عام 1986 أراد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك التطوير من خلال طريق شركة "كروب" الألمانية؛ لتطوير مجمع الحديد والصلب وإعادة الاعتبار له بعد توقف 3 أفران صهر، والرابع يعمل بأقل من ربع طاقته، ومرت السنوات وتم إعطاء رخص صناعية لإنتاج الحديد والصلب، لرجال أعمال ومستثمرين محليين وأجانب.


مساحة المجمع جعل الكثير من رجال الأعمال والمستثمرين يلهثون لشراء المصنع طمعًا في 3000 فدان، إلا أن الخوف من البيع جعل الحكومات المتعاقبة تتردد كثيرًا في خصخصته، إلى أن جاءت شركة "تاتا ستي" وطالبت بضرورة حل المشاكل العالقة وفقًا لخطة الإنقاذ العاجلة للآلات والمعدات، وقُدرت الشركة بمبلغ وقدره 367.5 مليون دولار.


تراجع الإنتاج


وأوضحت الشركة في نتائج أعمالها الأخيرة المنتهية الأسبوع الماضي أن الخسائر بلغت 745 مليون جنيه خلال العام المالي المنتهي في يونيو 2017، مقابل 615.5 مليون جنيه خسائر العام السابق.


وارتفعت تكاليف الإنتاج خلال 2016-2017 إلى 2.58 مليار جنيه، مقابل تكلفة بلغت 2.3 مليار جنيه بالفترة المقارنة، ويرى مراقبون أن تراجع الحديد والصلب تمّ لصالح كبار رجال الأعمال لتصعد على أنقاضها حديد "عز الدخليلة"، وحديد المصريين، والممتاز!


أمن قومي


أوضح اللواء حسن السيد، عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، أن ملف شركة الحديد والصلب لم يتم فتحه أو مناقشته حتى الآن في مجلس النواب.


وتابع السيد لـ "الفتح": أن شركة الحديد والصلب أمن قومي، ولن يتم التفريط فيها، موضحًا أن مناقصة التطوير قد رست على شركة "تاتا ستيل" الهندية، وسيم توجيه الدعوة إلى الحكومة لمناقشتها حول ملف شركة الحديد والصلب.


وأكد أن الرئيس عبد الفتاح السيسي، طلب من حكومة المهندس شريف إسماعيل سرعة البت في تطوير وتحديث الشركة، مشيرًا إلى أن الدكتور أشرف الشرقاوي لم يقدم رؤية واضحة بشأن مدينة الحديد والصلب، التي قفزت خسائرها لأكثر من 750 مليون جنيه في عام واحد.


 

وبيّن أن حجم خسائر الحديد والصلب تأتي لأسباب من بينها خام "البليت" المستورد، ونقص فحم الكوك المستمر، وارتفاع الوقود والمحروقات، فضلًا عن غياب الصيانة، كاشفًا أنه سيتقدم بطلب إحاطة عاجل ليطلب من الحكومة رؤيتها بشأن هذه الخسائر المتلاحقة، ومعرفة رأيهم في الخطة التي وضعتها الشركة الهندية.


تخريب متعمد


 ويقول عبد المتعال إبراهيم، مدير سابق بمصنع الفحم والكوك، بمجمع الحديد والصلب: إن معدات المصنع وأفرانه قديمة ومتهالكة، متوقفة عن العمل منذ 40عامًا، فقد أكلها الصدأ، وترامت على جنبات المصنع وفي الورش والمخازن، مشيرًا إلى أن عمليات نقل الكوك والفحم وخامات التصنيع ومادة "البيليت" تتم بالعنصر البشري رغم قوة الانصهار وارتفاع درجة الحرارة ونسب التلوث العالية جدًا؛ ما يتسبب في إصابة أغلب العمال بأمراض مزمنة، لافتًا إلى غياب عنصر الأمان الصناعي، فما زالت أدوات المصنع تعمل برؤية ستينيات القرن الماضي.


وأوضح أن مجمع الحديد والصلب به أكثر من 1.5 مليون طن خردة، لكن الإدارة تتجاهلها تمامًا.

وكشف عبد المتعال لـ "الفتح" عن توقف أفران الصهر الثلاثة منذ عام 1985، وأن المصنع يعمل بفرن واحد فقط، بالرغم من احتواء مدينة الحديد والصلب على مقومات النجاح مثل: (الورش والمناجم، وغرف التلبيد، والأفران العالية والكبيرة، ومربعات الصب الإكسوجيني والمستمر، و الدرفلة على الساخن، والبارد، وتشكيل وقطع القضبان الصلبة، والفلنكات)، إضافة إلى عمليات الدرفلة، بما يميز المجمع عن جميع المصانع ومناطق الإنتاج العالمية.


وتابع: أبلغنا الرئيس الأسبق حسني مبارك منذ توليه المسئولية بتوقف أفران الصهر عن العمل، وأن مربعات الصب لم تعد صالحة إلى العمل، وأنه من غير المنطقي أن يتراجع أو يتوقف قطاع التشغيل الأُولي، غرف وصهر"التبليد"، دون تطوير أو تجديد، مبينًا أن هذه المرحلة تعتمد على خام الجبل، وبدونها يتأثر المنتج بصورة نهائية، موضحًا أن عنابر التشغيل والتصنيع "1-2" لم يتم تطويرها منذ الانفتاح الاقتصادي عام 77، الأمر الذي تسبب في صدأ وتآكل المعدات وساهم في إهدار الطاقة الكهربائية والحرارية بنسبة لا تقل عن 70%.


وأشار إلى أن الهند كانت صاحبة التجربة معنا، واستطاعت أن تصل إلى المركز الثاني على مستوى العالم بعد عمليات التطوير والتحديث التى استغرقت 8 سنوات، وكلفت خزينة "ديلهي" 10 مليارات دولار.


وأكد الرئيس السابق لنقابة العاملين بالشركة، أن خطة التطوير التي أعدتها شركة "تاتا" الهندية، تتضمن إقامة فرنين إضافيين، فضلاً عن تشغيل الـ4 أفران، ليكون إجمالي التشغيل 6 أفران صهر، وتوسعة فرنيّ التلبيد "1-2"، وعمل فرن احتياطي آخر مع مربعات الصب، خصوصًا وأن النموذج الروسي الذي تم توسعة المجمع من خلاله كان على حساب خام الحديد من جبال أسوان، لافتًا إلى أن المناجم قلّت إنتاجيتها، ولم تعد هيئة الثروة المعدنية تهتم بالتوريد، وأصبحت مواعيد قطار الشحن مختلفة، وتخضع للحمولات ومناطق التخصيص، ما أدى إلى تفاقم الخسائر. 


وأوضح فوزي عيد، بالمعاش وعامل سابق في مجمع الحديد والصلب، أن طن الحديد لا يكلف المصنع سوى6500 جنيه بعد قرارات التعويم، مستنكرًا رفع السعر لـ 12500 جنيه.


ولفت إلى أن تسليم أرض المصنع يهدد بصعود طن الحديد إلى 15 ألف جنيه، متهمًا  وزارة التجارة والصناعة برفع أسعار الحديد بعد فرضها رسم إغراق على الحديد التركي والصيني والأوكراني.