الفساد (108) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (10)‏

  • 33

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فتقوم الزراعة في العصر الحديث على التقدم العلمي، والبحوث والابتكارات؛ لذا فيعتبر مركز البحوث الزراعية في مصر المحور الأساسي في تنفيذ الحملات القومية لاستنباط أصناف من المحاصيل وسلالات جديدة وتحسين جودة الأصناف الحالية.

ويتولى المركز وضع وتنفيذ مشروعات وبرامج وخطط البحوث الزراعية، ويتبع المركز 16 معهدًا، و10 معامل مركزية، و19 محطة بحوث، و23 إدارة تجارب زراعية تغطي جميع محافظات مصر.

ومن مهام مركز البحوث الزراعية: إنشاء قاعدة بيانات دقيقة، وإحصائيات متكاملة تعطي الفرصة للباحثين للاستفادة من نتائج البحوث الجديدة، والتعرف على المعلومات الحديثة في مجال الزراعة، كما يقوم بتطوير الإرشاد الزراعي، وتوفير كل مستلزمات الإنتاج. والمركز في ذلك كله يتعاون مع المنظمات العلمية والبحثية الأخرى إقليميًّا ودوليًّا.

وللأسف: فنحن في مصر لا نستفيد كثيرًا من جهود باحثينا العلمية وابتكاراتهم، رغم كل ما يبذلونه فيها من جهد وفكر وعطاء، ورغم ما يقدِّمونه في كثيرٍ من الأحيان من حلول وعلاج لمشاكلنا الزراعية المستجدة؛ إذ لا يجدون مَن يطبقها ويستفيد منها على الأرض.

ويزيد الأمر أسفًا: أن منها ما ينشر في مجلات عالمية، ويقدم في مؤتمرات دولية، وينال الإعجاب والثناء، بل وربما تتبناه بعض الدول الأجنبية فينجح نجاحًا كبيرًا، ويعطي نتائج باهرة.

إننا في مصر نحتاج إلى الاستفادة من الأبحاث العلمية وإلى الاطلاع على والأخذ بالأفكار غير التقليدية والابتكارات التي تقدم من هنا وهناك؛ خاصة ما تثبت دراسات الجدوى جديتها، خاصة ما كان منها من المتاح الذي يمكن على أرض الواقع تطبيقه عمليًّا، أو يقوم بحل معضلات كبيرة بأبسط الطرق والأساليب وبما هو في قدراتنا وإمكانياتنا.

والأمثلة هنا على ذلك كثيرة، نشير إلى اليسير منها:

حل مشكلة ورد النيل: يعاني نهر النيل ولسنواتٍ طويلةٍ من ظهور نبات ورد النيل وانتشاره حيث يتكاثر هذا النبات ويغطي نهر النيل وترعه ومصارفه بسرعة رهيبة، ويستهلك كميات كبيرة من المياه، ويتسبب في إعاقة الملاحة في النهر وضعف جريانه. وهي بالطبع مشكلة كبيرة تسببت في قلق كل العاملين في مجال الزراعة الذين يتطلعون إلى وضع الحلول المناسبة والفعالة لها مهما تكلف الأمر.

وفي عام 1978 -أي: مِن أكثر من 40 عامًا- حصل أحد طلاب كلية زراعة عين شمس على درجة الماجيستير عن استخدام نبات ورد النيل في تغذية الحيوان، وبعدها بخمس سنوات -في عام 1983- حصل نفس الطالب على درجة الدكتوراة من نفس الكلية عن الاستخدام الأمثل لنبات ورد النيل في تغذية الحيوان بصور وأشكال مختلفة، ثم قام هذا الطالب الحاصل على الدكتوراه -بعد ذلك- بالمشاركة مع زملاء له بإجراء عددٍ مِن البحوث حول نفس الموضوع الذي يتناول كيفية حل مشكلة ورد النيل والاستفادة منه.

وهذه الأبحاث التي لم تجد مَن يطبقها تقدِّم للدولة فوائد عديدة حال تطبيقها والأخذ بها على نطاق واسع:

- فهي تتطلب رفع ورد النيل من النهر للاستفادة منه في تغذية الحيوانات، وهي وسيلة ميكانيكية لعلاج المشكلة، وبديل عن استخدام أي مبيدات كيمائية في مقاومة ورد النيل.

وقد قررت وزارة الري بالفعل منع استخدام المبيدات في مقاومة ورد النيل؛ لأنه سيتسبب في تلوث كيماوي محقق للنهر يؤثِّر على الصحة العامة للإنسان والحيوان، ويؤثر على الثروة السمكية.

- وهي تؤكِّد على إمكانية تحويل نبات ورد النيل إلى مكون من مكونات علف الحيوان -أي: جزء من تركيبه-؛ إذ لا يصلح النبات وحده أن يكون علفًا لكون مذاقه غير مستساغ للحيوان. ويمتاز النبات بعد تجفيفه بوجود نسبة طاقة ونسبة بروتينات به، وهذا بدوره يساهم بدرجة كبيرة في حل مشكلة العلف الحيواني في مصر، الذي هو أحد أسباب ارتفاع أسعار اللحوم في مصر نتيجة ارتفاع أسعاره.

فهذه الأبحاث المهمة المفيدة: التي قام بها الدكتور "محسن شكري" -وهو الأستاذ المتفرغ بالمركز القومي للبحوث حاليًا- خلال دراسته للحصول على درجتي: الماجستير والدكتوراة، وبالتعاون مع زملاء له بعد ذلك منذ عقود تقدِّم حلًّا واقعيًّا ممكنًا يساهم في القضاء على مشكلة ورد النيل من جهة، ويساهم في حل مشكلة علف الحيوان من جهة أخرى، بكيفية واقعية ممكنة وبجهود مصرية خالصة، ولكنها جهود ضائعة لم يتم الاستفادة منها على نطاقٍ واسعٍ كما ينبغي؛ رغم شدة الحاجة إليها! (للاستزادة راجع مقال: "اسألوا ورد النيل والعلف" من سلسلة مقالات: "خارج دائرة الضوء" للكاتب الصحفي إبراهيم حجازي - جريدة الأهرام - عدد الجمعة 21 سبتمبر 2018، ص17).

قال الكاتب إبراهيم حجازي في المقال: (الذي تم من 40 سنة لم نرَ تطبيقاته صناعيًّا للآن، ليس هناك علف يباع في الأسواق من ورد النيل أو ورد النيل جزء من مكوناته ... لماذا؟ لأن الباحث في معمله يكفيه الجهد الهائل المبذول عقليًّا ونفسيًّا ... يكفيه القلق الغريب الذي يعيشه ... في عمل عرف بدايته يوم بدأ البحث ومستحيل أن يعرف نهايته ... يكفي الباحث توصله إلى نتائج أفرزتها الأبحاث وأوصلته إلى حلول لمشكلات ... أخذت من عمره سنين، الباحث أوجد الحل ... أما تطبيقات الحل التي تحوله إلى منتج في الأسواق فهذا هو الجهاد الأكبر؛ لأنه يتطلب نيات طيبة -هي شحيحة هذه الأيام- تحول النتيجة التي وصل إليها البحث العلمي إلى واقع يستفيد منه الوطن ... وهذا الأمر يتطلب تضافر وتعاون جهات كثيرة تضع المصلحة العامة في عقلها وقلبها وعيونها، يتطلب استثمارًا حقيقيًّا قادرًا على الإنفاق إلى أن تتحول نتائج البحث العلمي إلى واقع موجود في السوق) (المصدر السابق).

حل مشكلة العلف:

تعاني مصر وبشدة من أزمة العلف الحيواني، والتي هي أحد أسباب تواصل ارتفاع أسعار اللحوم فيها، وقد أظهرت أبحاث عديدة إمكانية الاستفادة من العديد من المخلَّفات العضوية أو الزراعية في إنتاج العلف للحيوانات والدواجن، منها: استخدام ورد النيل -كما أسلفنا-، ومنها استخدام نواة البلح وبذرة الزيتون بعد الطحن، ومنه استخدام العديد من المخلفات الزراعية بعد فرمها.

وللأسف: لا تجد هذه الحلول الممكنة -والتي توفِّر مليارات تدفع لاستيراد العلف، وتساهم في خفض أسعاره وبالتالي: خفض أسعار اللحوم والدواجن- أي آذان صاغية، أو قلوب حريصة على مصلحة الأمة.

قال الكاتب إبراهيم حجازي تعقيبًا على استخدام ورد النيل في علف الحيوانات: (كلنا يعرف أنه يصلح علفًا أو مكونات العلف، وكلنا نسي الأمر ليبقى ورد النيل واحدًا من أكبر مشكلاتنا؛ لأن شريحة لا أعرف عددها، لكن أعلم يقينًا أنها ضد أن يكون علفًا؛ لأنه دخول في مناطق ملغومة، لأن أعلاف الحيوانات أحد أركان (دولة) اللحمة، والأعلاف سوقها نار، ولا بد أن تبقى النار مشتعلة) (المصدر السابق).

وقال الكاتب في موضعٍ آخر من مقاله: (عندنا منجم علف، هو بذور ونوى ثمار كثيرة ولم نفكر فيها. تفتكروا حضراتكم ليه؟ السؤال طرحته على الأستاذ الدكتور حمدي السيد أستاذ تغذية الحيوان بزراعة عين شمس -الأستاذ المتفرغ حاليًا- قال: (نحن لا توجد عندنا أزمة علف، الموجود أزمة إدارة لم تعرف للآن كيف تستفيد من 48 مليون طن مخلفات زراعية لخضر وفاكهة ومحاصيل إلى جانب مخلفات حيوانية، وكلها مواد عضوية صالحة جدًّا لأن تكون علفًا للحيوان. الثروة الحيوانية في مصر تحتاج إلى 12 مليون طاقة من العلف، والأعلاف الموجودة حاليًا تغطي 9 ملايين طاقة، وهذا معناه وجود فجوة مقدارها 3 ملايين طاقة. عندنا عجز 3 ملايين رغم أنه عندنا مخلفات زراعية هائلة يمكن أن تقدم أعلافًا توفِّر طاقة تزيد على احتياجاتنا.

على سبيل المثال: مخلفات الطماطم بعد عصرها نسبة البروتينات فيها 33 %. قشر البرتقال فيه طاقة تقترب من الطاقة الموجودة في الشعير). (لا توجد عندنا إدارة للموارد العلفية، نستورد الفكر من الخارج باستيرادنا العلف من الخارج، رغم أنه في مصر مدرسة مصرية لا يوجد مثيل لها! ولماذا نذهب بعيدًا وكسب القطن أكبر شاهد على كفاءة وتقدم علماء مصر. كسب بذرة القطن الناتج من عصير البذرة، قشرة هذه البذرة التي تم عصرها كانت مخلفات يتم رميها وعدم الاستفادة منها إلى أن جاء الدكتور كمال غنيم في الخمسينيات وقام بكبس قشور بذرة القطن في مكابس صانعًا منها كسب بذرة القطن الذي كان -وما زال- عمدة الأعلاف الحيوانية للآن. مخلفات الخضر والفاكهة تقريبًا حجمها 6 ملايين طن، نسبة البروتين في هذه المخلفات من 25 % إلى 35 %، بمعاملات بسيطة لها تكون علفًا حيوانيًّا بنسبة طاقة من 50 إلى 60 %. لا بد أن يكون في كل محافظة جهاز مسئول عنده مسح شامل لكل ما ينتج من المحافظة من مخلفات زراعية، وهي تختلف من محافظة لأخرى. ومهم جدًّا معرفة هذه المخلفات ونوعياتها وحجمها، والمركز الإقليمي للأغذية والأعلاف بوزارة الزراعة عنده تحليل لكل المخلفات في مصر، والمطلوب كل محافظة ما هي مخلفاتها الزراعية، وكيف نستفيد منها؟)، (انتهى كلام الدكتور حمدي السيد، لكن القضية لم تنته، رغم إننا نملك العلماء وعندنا الأفكار وعندنا الحلول، لكن كل ما عندنا عند نقطة بعينها يتخشب ويتمسمر في الأرض، وفكرة خارج الصندوق ما إن نعرفها لا نجدها) (المصدر السابق بتصرفٍ).

استغلال الطمي المتراكم في بحيرة ناصر:

تُعد بحيرة ناصر أكبر بحيرة صناعية في العالم، يبلغ طولها: 550 كيلو مترًا، وأقصى عرض لها: 35 كيلو مترًا، وأقصى عمق لها: 180 مترًا، ومساحتها 250 و5 ألف كيلو متر مربع. وهذه المساحة الهائلة أصبحت تضم حاليًا أكبر كمية طمي مترسب في العالم، والتي ترسبت عبر عقود منذ إنشاء السد العالي إلى الآن.

وهذا الترسب للطمي يزيد سنويًّا بما يؤثر على حجم التخزين في البحيرة ويقلله سنويًّا، وبالتالي: يمكن أن يؤثر على اندفاع المياه، وعلى حركة توربينات السد العالي التي تولد الكهرباء، فمع قلة حركة اندفاع المياه بالتدريج ستقل الكهرباء المولدة منها؛ بالإضافة إلى نقص الثروة السمكية في البحيرة، وهي ثروة سمكية تعاني من أننا لم نستفد منها الاستفادة المرجوة حتى الآن، ويرى البعض ضرورة التخلص من الطمي المترسب في البحيرة، وتزداد الضرورة إذا علمنا أن بالإمكان الاستفادة من هذا الطمي الهائل استفادة عظيمة -نحن في أشد الحاجة إليها- للنهوض بالزراعة التي تراجعت كثيرًا في مصر.

الاستفادة الأولى:

في تحويل الأراضي الصحراوية على ضفاف البحيرة إلى أراضي خصبة سمراء مستصلحة تزيد عن مليون فدان من الأراضي الخصبة التي لا تحتاج في زراعتها إلى مياه من النيل، أي: لا تنتقص من حصتنا المائية شيئًا؛ لأن نظام الري فيها يقوم على رشح بحيرة ناصر، خاصة وأن المياه الجوفية على عمق أمتار قليلة من سطح الأرض بشواطئ البحيرة، مع الاستفادة الكبرى من الطاقة الشمسية هناك.

لقد تسبب نقص الطمي لعقود بسبب ترسبه في بحيرة ناصر في إضعاف كثافة وخصوبة الأراضي الزراعية في دلتا النيل، وتآكلها من جهة البحر لقلة الطمي الوارد لها من مياه الري، و(اكتملت مأساتها بتجريفها وتغيير هويتها، من أرض زراعية إلى أرض سكنية، من أرض تنبت منها الزراعات التي نعيش على محاصيلها إلى أرض زرعنا في جوفها الحديد والخرسانة، لتعلو على سطحها الأبراج والعمارات. الأرض التي نعيش على خيراتها بالزراعة في أرضها السمراء الصالحة لزراعة ما نأكله وتأكله حيواناتنا، هذه الأرض زرعنا فيها مساكن، ورحنا ننفق أموالًا طائلة بلا سقف لأجل تطويع الأرض الصحراوية للزراعة) (من مقال الكاتب الصحفي إبراهيم حجازي "فكرة تجعل بحيرة ناصر سلة غذاء العالم" الأهرام - عدد الجمعة 20 ديسمبر 2019، ص 17).

يتم ذلك عن طريق تكريك طمي البحيرة ونقله إلى الأراضي الصحراوية المراد استصلاحها، من خلال حاويات على صنادل، ويتم نقل الحاويات المحملة بالطمي إلى عربات قطار على طول ضفتي البحيرة (يراجع ما جاء في المقال في جريدة الأهرام عدد 20 /12 / 2019 م، بشأن تفاصيل كيفية تكريك الطمي ونقله كما يقترحها المهندس جلال شره الخبير في تكنولوجيا التصنيع الميكانيكي، والحاصل على خمس براءات اختراع، منها اختراع مواد البناء من قش الأرز والبلاستيك المعاد تدويره)، مع إمكانية نقل جزء من هذا الطمي إلى مجرى النيل، وبهذا نكون كما يقرر المهندس جلال شره (قد انتهينا من مشكلة تلوث نهر النيل، وعودة طمي النيل لاستخدامه بدلا من الأسمدة المسرطنة بخلاف عودة الطعم الجميل للخضر والفاكهة، وظهور أسماك نهر النيل مرة أخرى، وسردين البحر المتوسط ناحية عزبة البرج والتي افتقدها الجيل الحالي).

ويختم الكاتب إبراهيم حجازي مقاله بقوله: (يقيني أن الطمي المحتجز في بحيرة ناصر ثروة هائلة بإمكانها أن تعوض مصر عن أرض الدلتا، وأن تجعل من جنوب مصر سلة غذاء العالم كله لا مصر وحدها).

الاستفادة الثانية:

إعادة إلقاء الطمي المخزَّن في بحيرة ناصر في مياه النيل مباشرة لحل مشكلات نقص الطمي في النهر لإعادة تجديد خصوبة الأرض القديمة التي فقدت الكثير من خصوبتها. ويتم ذلك -كما يقترح عادل جرجس رئيس مجلس إدارة الشركة المتحدة لأعمال النقل والشحن (ش. م. م): (عن طريق نظام طلمبات تحرك الأرضية، وتلقي بالمياه المحملة بالطمي إلى مجرى النيل)، وهي فكرة تستلزم (دراسة حديثة للكميات والسحب والفترة الزمنية مع قوة الطلمبات وعددها، إلخ)، وهذا يمكن أن يتم بسهولة كما يؤكد صاحب الاقتراح والفكرة (بشرط توافر إرادة التنفيذ).

ويضيف: (وهذا المشروع يعتبر من أكثر المشروعات أهمية في كل الظروف التي تحيط بنا، من ناحية المياه أو سعة البحيرة أو تحسين كفاءة كل الأراضي الزراعية المصرية والدلتا) (راجع في ذلك مقالة الكاتب الصحفي إبراهيم حجازي (طمي بحيرة ناصر يصنع المعجزات) جريدة الأهرام عدد الجمعة 21 فبراير 2020، ص17).

نشر زراعة الأشجار:

تستخدم مجالس الأحياء في المدن المصرية شجرة الفيكس كشجر للزينة، ويعد فيكس الديكور ذو الأوراق العريضة من أكثر الأشجار استهلاكا للمياه، فهو ينمو بسرعة وتمتد فروعه بسرعة، فكلما اتسعت رقعة النبات زاد البخر وزادت حاجته للمياه. وخشب هذه الشجرة ضعيف لا يصلح للصناعات الخشبية، والشجرة تسقط بسرعة، وقد يسبب سقوط فروعها إصابات وحوادث. فالشجرة إذًا تكلفتها كبيرة ومنافعها قليلة، ومحصلة زرعها خسارة أكثر من المكسب.

وفي المقابل: فهناك أنواع كثيرة من الأشجار المثمرة الجميلة المفيدة النافعة، منها: أشجار البرتقال والجوافة، والتفاح والعنب والكمثري، ومنها: أشجار الليمون المثمرة طوال فترات السنة، ومنها النخيل، ومنها أشجار لا تفقد كتلتها الورقية الخضراء في الشتاء، مثل أشجار المانجو وأشجار الموالح، على خلاف أشجار الزينة التي يسقط أوراقها في الخريف وتعود في الربيع.

نحن نحتاج إلى الإكثار من زرع الأشجار بأنواعها في الحدائق والمساحات الحكومية، وفي الميادين والشوارع، وعلى ضفاف النيل وفروعه، وفي الشواطئ والمنتجعات، وحدائق العمارات والفيلات. على أن تكون الأشجار أشجار مثمرة نافعة مفيد قليلة الاستهلاك للمياه الري أو تعيش على المياه الجوفية.

ومن الأمور المهمة: العودة إلى الاهتمام بشجر التوت وزرعها على جرفي النيل وفروعه، فيكون ريها من خلال رشح النيل وفروعه، فلا تستهلك شيئًا من مياه النيل. ومعلوم أن دودة القز تتغذى على ورق التوت، وأنها وحدها مصدر الحرير الطبيعي في العالم. ومع تشجيع الشباب والأطفال من الصغر على تربية دود القز وبيع شرانق دود القز الحريرية، والتي تدخل في العديد من الصناعات الحريرية، أشهرها: صناعة سجاد الحرير اليدوي على (النول) في البيوت في القرى والمدن. وللحرير الطبيعي مكانه في السوق العالم، لتدخل مصر في سوق إنتاج الحرير العالمي عن طريق شبابها.

إن دود القز يمكن إدخاله في كل القرى الفقيرة كمشروع بسيط غير مكلف وعائده كبير، لا يحتاج إلى كهرباء أو مواصلات ومصانع وماكينات، ولا رأس مال؛ يحتاج فقط أن تتبناه الدولة وتشجعه.

إن (دورة إنتاج الحرير تبدأ ببيض دودة القز، وهو مسئولية جهات متخصصة في المركز القومي للبحوث بوزارة الزراعة. بطارية البيض بها 20 ألف بيضة متناهية الصغر ثمنها 100 جنيه. دورة تربية دودة القز من لحظة الفقس وخروج الدود وبداية التغذية على ورق التوت، وحتى شرنقة كل دودة تبلغ 35 يومًا. الدودة عندما يصل عمرها 35 يوما تبدأ في إفراز خيط حرير رفيع. وسبحان الله! تفرزه حولها إلى أن تلتف به تمامًا وتصبح داخله دون وجود أدنى ثغرة في الشرنقة. الشرنقة التي صنعتها الدودة بخيط الحرير حول نفسها طول هذا الخيط 1200 متر ... هذه الشرانق ثمنها 1100 جنيه، المكسب في 35 يومًا ألف جنيه). (النجاح من عدمه مرتبط بالنظافة، والنظافة لا علاقة لها بالفقر أو الغنى، إنما بالسلوك)، (شجر التوت هو الذي ينقصنا ... إن كنا نريد لمصر أن تكون خالية من القرى الفقيرة نزرع شجر التوت على حرف النيل من الجانبين ... نزرع حروف الترع والمصارف، وأي مجاري مائية من الجهتين) (راجع في ذلك مقال: "لنجعلها الشجرة القومية لمصر" للكاتب الصحفي إبراهيم حجازي - الأهرام - عدد الجمعة 7 يوليو 2017 م، ص 29).

(دراسة دكتوراة أثبتت صلاحية أوراق شجر التوت الذي نرويه بمياه المجاري، وعدم تأثيره على دودة القز، ولا على كفاءة الحرير. هذه الدراسة تفتح لنا المجال لزراعة شجر التوت في الغابات الشجرية بالمحافظات). (نحن نتحدث عن ملايين شجر التوت، عندما تكون المادة الخام التي تقوم عليها صناعة الحرير الطبيعي هي شجر التوت وموجود عندنا بالملايين نكون أمام أكبر مشروع استثماري. الشق الأول له ينهي على القرى الفقيرة من خلال تربية دودة القز، ودورة التربية 35 يومًا، والمكسب ألف جنيه. الشق الثاني هو إحياء صناعة الحرير الطبيعي في مصر)، و(إن لم يكن عندنا خبراء صناعة سجاد الحرير اليدوي... نأتي بهم من آخر الأرض نعلم فتياتنا وشبابنا، ربما يستمر التدريب شهورًا أو سنة، ليس مهمًّا؛ لأن الأهم أنه في كل بيت نول لصناعة السجاد ... لن نبيع خيوط الحرير للعالم، سنبيع منتجات الحرير للعالم) (راجع المقال السابق بتصرفٍ).

ويمكن أن تكون البداية من مدينة أخموم في محافظة سوهاج، والتي عُرِفت قديمًا في زمن الفراعنة بإنتاجها للحرير الطبيعي واشتهرت به، فيمكن أن تكون البداية بإحياء ما اندثر فيها.

إن محافظة سوهاج تطل على النيل في مواجهة 120 كيلو مترًا، أي: توجد إمكانية زراعة شجر التوت على حرف النيل هناك على الجانبين، ونفس الشيء على الترع والقنايات، والمصارف المتفرعة من النيل، إلى جانب الغابة الشجرية في سوهاج ومساحتها 100 فدان ويتم ريها بمياه الصرف المعالجة، فإن زرعنا كل هذه المساحات شجر التوت لأمكن زراعة 2 مليون شجرة توت، مع إعطاء الفرصة للشباب للمشاركة في المشروع. (انظر في ذلك مقالة: "لا والله ... الصحافة القومية مظلومة" للكاتب إبراهيم حجازي - الأهرام الجمعة 14 فبراير 2020، ص 17 بتصرف)

rl(null,true)])