إبطال دعوى المجاز في آيات الصفات

  • 84

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا زالت الفِرَقُ الكلامية تجاهدُ في إثباتِ معتقدِها، وَفْقَ قواعد المناطقة والفلاسفة، وطرائقها الكلامية، وكان التأويلُ المذمومُ للنصوصِ والاتكاءُ على جهةِ اللغةِ اللعوب، بهدف تأييد المعتقد المذهبي، المخالف في أصوله لظواهر النصوص القرآنية والحديثية، فجعلوا المجازَ مخرجًا مِن مُعْضلة هذه المخالفة الظاهرة.

والمجازُ في القرآن له خصائصه اللغوية والأسلوبية، مع كونها مؤشرات إعجازية، لكن الممجوج غير المستساغ هو: التَّكلُّف والتَّمحُّل، والتعسف في تطبيق مفهوم المجاز، وحقيقته الاصطلاحية على ما أُريد به معناه الحقيقي؛ لأن ذلك مما يشوه حقيقة البيان، خاصة في القرآن المجيد؛ إذ لا معنى للتكلُّف المفرط الذي يخرِج النص عن ذائقته الفطرية، تصيُّدًا لمعانٍ قد لا تُراد، ووجوه لا تُسْتَحْسن، وعلاقات قد لا تُسْتَصوب، وهذا بالضبط ما جَرَى من الفِرَق الكلامية، فلم تكن الجناية في المجاز، وإنما في ادِّعاء المجاز الذي لم تتوفر شروطه في مزاعمهم الكاسدة وتأويلاتهم الفاسدة.

قال ابن الوزير -رحمه الله-: "ولو جاز العدول إلى المجاز بمجرد الاستحسان مع جواز الحقيقة، لصح مذهب الباطنية وأمثالهم، ولم يوثق لله -سبحانه- بخبرٍ البتة!" (ترجيح أساليب القرآن).

وقال ابن عبد البر -رحمه الله-: "وَإِنَّمَا يُوَجَّهُ كَلَامُ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- إِلَى الْأَشْهَرِ وَالْأَظْهَرِ مِنْ وُجُوهِهِ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ لَهُ التَّسْلِيمُ، وَلَوْ سَاغَ ادِّعَاءُ الْمَجَازِ لِكُلِّ مُدَّعٍ مَا ثَبَتَ شَيْءٌ مِنَ الْعِبَارَاتِ، وَجَلَّ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَنْ أَنْ يُخَاطِبَ إِلَّا بِمَا تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ فِي مَعْهُودٍ مُخَاطَبَاتِهَا مِمَّا يَصِحُّ مَعْنَاهُ عِنْدَ السَّامِعِينَ" (التمهيد).

وقال ابن قتيبة الدينوري -رحمه الله- عن هؤلاء المؤولة المعطلة: "وَفَسَّرُوا الْقُرْآنَ بِأَعْجَبِ تَفْسِيرٍ، يُرِيدُونَ أَنْ يَرُدُّوهُ إِلَى مَذَاهِبِهِمْ، وَيَحْمِلُوا التَّأْوِيلَ عَلَى نِحَلِهِمْ" (تأويل مختلف الحديث).

وعليه أقول: تأويل الصفات الإلهية تحت دعوى المجاز، وصرفها عن ظاهرها أمر غير مقبول؛ لعدم توافر شروط المجاز وحدوده، مع وجود ما يوجب حمل هذه الصفات على ظاهرها ويمنع المجاز فيها، ومن ذلك:

1- أن القرينة العقلية المُدَّعاة للتأويل -وهي: أن ظواهر نصوص الصفات توهم التشبيه والتجسيم- قرينة باطلة شرعًا: لقوله -تعالى-: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى:11).

وباطلة عقلًا: لأن القرينة العقلية تكون معتبرة فيما يدركه العقل والحس، أما الصفات الإلهية الخبرية والفعلية فهي فوق إدراك العقل؛ لأنها خارج حدوده القاصرة، وأيضًا: هي غيب ولا تخضع للزوميات بني البشر، ولست أدري كيف يمكن أن نحكم على صفات الخالق -سبحانه- بالعقل الذي هو مخلوق حتى نضطر لتلك التأويلات والتخييلات؟!

وهل اللازم في حق المخلوق لازم في ذات الخالق -سبحانه وتعالى- الذي جلَّ عن الندِّ والشبيه والنظير، والإدراك؟!

وهل القوانين في عالم الغيب كالقوانين في عالم الشهادة حتى نقيس هذا على ذاك؟!

إن الواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه، بلا تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل، ولا يلزم من إثبات الصفة للخالق -سبحانه- ما يلزم من لوازمها في حق المخلوق، ونحن عندنا آيات التشريع قائمة بالتصريح دون المجاز ودون التخييل كآيات المواريث، وغيرها؛ لأنها أحكام تحتاج إلى الفصل، لتقوم عبادة الناس على منهاج واضح، فهل ما يتعلق باعتقاد الناس في خالقهم يكون أقل شأنًا من عباداتهم البدنية والمالية، حتى يدخله المجاز والتخييل المؤدي للاختلاف؟!

2- قال الرازي شيخُ الأشاعرةِ المتأخرين في تفسيره: "أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الْكَلَامِ إِلَى الْمَجَازِ إِلَّا بَعْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ"، فالأصل حمل الكلام على الظاهر، وهذا صريحٌ على أن الإجماعَ منعقدٌ على عدم التأويل إلا بقرينة، وقد أجمع أهل السنة أئمة السلف على أن صفات الله -تعالى- الواردة في الكتاب والسنة يجب إجراؤها على الحقيقة، ولا يجوز تأويلها، وحكى الإجماع غير واحد؛ لأنها غيب فوق إدراكنا، والله لن يخاطبنا بما يضلنا ظاهره.

قال ابن عبد البر شيخ المالكية في كتابه التمهيد: "أهلُ السنةِ مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز؛ إلا أنّهم لا يُكيّفون شيئًا من ذلك ... وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة، والحمدُ لله".

3- قال تقيّ الدين السبكي: "واعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِتَكْثِيرِ الْأَدِلَّةِ أَنَّ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ وَالْآيَتَيْنِ قَدْ يُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا وَيَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ، فَإِذَا كَثُرَتْ قَدْ تَتَرَقَّى إلَى حَدٍّ يَقْطَعُ بِإِرَادَةِ ظَاهِرِهَا، وَبَقِيَ الِاحْتِمَالُ وَالتَّأْوِيلُ عَنْهَا" (فتاوى السبكي).

وقد علَّق السيوطي على هذا بقوله: "لِأَنَّ كُلَّ دَلِيلٍ مِنْهَا عَلَى انْفِرَادِهِ قَدْ يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ وَتَطَرُّقُ الِاحْتِمَالِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرَتْ هَذِهِ الْكَثْرَةَ تَرَقَّتْ إِلَى حَدٍّ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ إِرَادَةُ ظَاهِرِهَا وَنَفْيُ الِاحْتِمَالِ وَالتَّأْوِيلِ عَنْهَا" (الحاوي للفتاوي).

قلتُ: وهذه قاعدة مقررة أكَّد عليها شيخان من علماء الأشاعرة، فمما ينفي إرادة المجاز: مجيء أخبار الصفات في الكتاب والسُّنة متكاثرة ومتطابقة بما يوجب العِلْم والقطع بأن المراد منها حقائقها، وقد أقر بهذا الأصل تقي الدين السبكي، وجلال الدين السيوطي مع عدم التزامهما به في باب الصفات، وهذا أمر منتشر عند الفِرَق الكلامية؛ أعني مخالفتهم لما هو مقرر من أصول لغوية وبلاغية اعترفوا بها؛ لكونها لم تتفق مع عقيدتهم الكلامية، وبهاء الدين السبكي له تشنيع على الزمخشري لمخالفته القاعدة البلاغية عند تفسيره قول الله -تعالى-: (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (البقرة:167)، حيث جعل التقديم هنا للتقوية والتوكيد، وليس الحصر.

قال السبكي في كتابه: "عروس الأفراح": "وهي دسيسة اعتزال ... فإذا عارضه الاعتزال فزع مِن قواعدهم إليه".

وأوافق السبكي في هذا، وأقول: ما كان مِن مخالفاتٍ عند الزمخشري للقواعد البلاغية في محاولة -غير مجدية- لتصحيح فساد ما اعتقدوه، جَرَى مثلها من الأشاعرة، بل أقبح، كمثل تقريرهم لهذه القاعدة التي نحن بصددها ثم مخالفتها عند تعارضها مع ما اعتقدوه بناءً على طرقٍ كلاميةٍ تعتمد على منطق غير عقلي في بعض نتائجه، وهذا إلزام لهم مِن كلامهم.

4- تأكيد الفعل بالمصدر الصريح، يوجب المعنى الحقيقي، ويمنع من حمل الكلام على المجاز، قال ابن قتيبة -رحمه الله- في كتابه: (تأويل مشكل القرآن): "ونبيِّن له أيضًا: أن أفعال المجاز لا تخرج منها المصادر، ولا توكّد بالتكرار، فتقول: أراد الحائط أن يسقط، ولا تقول: أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة، وقالت الشجرة فمالت، ولا تقول: قالت الشجرة فمالت قولًا شديدًا، والله -تعالى- يقول: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا) (النساء:164)، فوكَّد بالمصدر معنى الكلام، ونفى عنه المجاز".

قلتُ: فدلَّ ذلك على أن الله -سبحانه- يتكلم حقيقة، ومِن كلامه هذا القرآن بين أيدينا؛ فهو كلام الله على الحقيقة، وليس كما زعمت الأشاعرة أنه عبارة عن كلام الله، أو أن الله خلقه في اللوح المحفوظ، أو أنه كلام جبريل مما فهمه من الكلام النفسي لله -تعالى الله عن ذلك-.

5- ومما يمنع المجاز: تنوع التعبير عن المعنى بألفاظٍ مختلفةٍ، كما في صفة الاستواء: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (الأعراف:54)، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر:10)، (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) (يس:5)، (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) (الملك:16)، (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) (النحل:50)، )وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) (الإسراء:106)، وهذه الآية الأخيرة فيها تأكيد الفعل بالمصدر؛ لتؤكِّد: أنَّ النزول للقرآن نزول حقيقي لفظًا ومعنى، ولا يحتمل المجاز؛ لأن أفعالَ المجاز لا تؤكَّد بالمصادر، كما يثبت بهذه الآية لله صفة العلو والفوقية.

 6- ومما يمنع المجاز: التقسيم فيمَن أضيف إليه الفعل: (هلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) (الأنعام:158)، ليثبت بذلك صفة المجيء لله -عز وجل-.

وأكتفي بما ذكرتُ، وصاحب الحق يكفيه دليل، وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل!