عاجل

غفلة الشباب

  • 69

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا تزال تقلِّب بصرك، وتمتع سمعك وأذنك، ويؤخذ بلبك قلبك، وتُستنهض هممك وعزمك حين تصافح صفحات شباب سلفنا الصالح، وتطالع أخبارهم وأحوالهم، وبذلهم وعطائهم لهذا الدِّين، وحُرقتهم على أن دماءهم لم تروِ الكرة الأرضية كلها في عصرهم، وتعلو صفحات هذا الدين عليها.

قمم وهمم!

انظر إلى عمير بن أبي وقاص رضي الله عنه أراد أن يشهد غزوة بدر، فرده النبي صلى الله عليه وسلم لصغره فبكى فرقَّ له فأجازه، وقُتِل في هذه الغزوة (سير أعلام النبلاء).

وانظر إلى أخيه سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه أول مَن رمى بسهم في الإسلام، وكان عمره سبع عشرة سنة، ويقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارم فداك أبي وأمي".

قال ابن شهاب الزهري رحمه الله مُحدِّثًا الشباب: "لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا نزل به الأمر المعضل؛ دعا الفتيان واستشارهم يبتغى حدة عقولهم".

والتاريخ لا يَنْسَى وسجل في بيضاء صفحاته معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعوذ بن عفراء (ابن الحارث)، فقد كانت نهاية أبي جهل على أيديهما.

وقال يحيى بن معين رحمه الله تعالى للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وقد رآه يمشي خلف بغلة الشافعي: "يا أبا عبد الله! تركت حديث سفيان بعلوه وتمشي خلف بغلة هذا الفتى وتسمع منه؟! فقال له الإمام أحمد: لو عرفت لكنت تمشي من الجانب الآخر؛ إن علم سفيان إن فاتني بعلو أدركته بنزول، وإن عقل هذا الشاب إن فاتني لن أدركه بعلو ولا نزول!".

وذكر الخطيب في تاريخ بغداد أن يحيى بن أكثم ولي قضاء البصرة وسنه عشرون سنة أو نحوها، فاستصغروه -أي: أن الحاضرين استصغروه لصغر سنه حين ولي قضاء البصرة- فقالوا -ازدراء له-: كم سن القاضي؟ فقال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجَّه به رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيًا على أهل مكة يوم الفتح -وكان سن عتاب خمسًا وعشرين سنة-، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجَّه به رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيًا على أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سور الذي وجَّه به عمر بن الخطاب قاضيًا على البصرة، فجعل جوابه احتجاجًا له. (علو الهمة).

وإنني أتعجب غاية العجب مما أصاب بعض شبابنا من هذا التخنع، والتفنن في تقليد النساء والتشبه بهن، والبحث عن الشهوات، وقتل الطاقات، وغريب الجرائم والمصيبات، وتضييع الأوقات، والتلفظ ببذيء العبارات!

أيها الشباب...  قلوبنا والله لتحترق عليكم، ونود أن نراكم قدوة للكرة الأرضية بأسرها؛ بالعلم والأخلاق الحميدة؛ فلو سادت أخلاقكم الإسلامية لتغيَّر بكم العالم!

اسمعوا يا سواعد أمتنا، وذراع قوتنا، ومصدر من مصادر عزنا: أصواتكم في الحق ترعب أعداءنا، وقوتكم تزلزل قلوبهم، وتمسككم بدينكم يقطع آمالهم، ويخرب مخططاتهم، وأخلاقكم الحسنة سهم ينفذ في صدورهم، وصراعكم على القمة يزعج منامهم وينحي عقولهم.

أنتم مَن أضاءت بكم سماء الدنيا علمًا في الماضي؛ فأين دوركم في الحاضر؟!

آباؤكم وأجدادكم يتربعون على عروش جامعات العالم، فأين أنتم منهم؟!

إن أوطانكم تحتاج إليكم، وأرضها تنتظر عزيمتكم.

الله الله في عافيتكم وقوتكم؛ اجعلوها لله تعالى وفي الله تعالى.

إن مفاتيح النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة بيدِّ ربكم ثم بهذه السواعد القوية الفتية في الحق، فلا تغرنكم قوتكم في الباطل، واعرفوا هدفكم الذي مِن أجله خلقتم؛ ألا وهو العبودية.

وإياكم والغفلة؛ فتلك القاتلة والمدمرة لكيانكم كله، وإياكم صحبة السوء، وافهموا المعنى الحقيقي للرجولة فلا

دخان علامتها، ولا الأغاني تغرسها، ولا البلطجة تنميها.

وإذا كنت تبحث عن السعادة، وتهرب من الشقاء والتعاسة؛ فاقرأ: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى".

فاللهم اجعلنا وإياكم من أهل يقظة القلب.

اللهم أمين.