م. عبد المنعم الشحات - عذر مَن لم تبلغه الدعوة ومؤاخذة مَن بلغته فأبى واستكبر! (1) - بوابة الفتح الالكترونية

عذر مَن لم تبلغه الدعوة ومؤاخذة مَن بلغته فأبى واستكبر! (1)
"بيان عذر مَن لم تبلغه الدعوة"


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛    

                                       
تمهيد:
مسألة: "حكم مَن لم تبلغه الحجة" مِن المسائل التي انقسِم فيها الناس كمعظم المسائل أو كلها إلى طرفين غاليين -"وهدى الله أهل السُّنة إلى الموقف الوسط والقصد فيها"-، فمنهم مَن ذهب إلى أن الله يعذِّب الكافر على كفره وإن لم يأته نذير: كالمعتزلة، والماتريدية.
ومنهم مَن بالغ فقال بعذر الكافر الذي بلغته الحجة، ولكنه أعرض عنها؛ طردًا لقاعدة العذر!
وتوسط أهل السُّنة فعذروا مَن لم تبلغه الحجة أو مَن بلغته وهو عاجز عن سماعها: كالأصم الأبكم، أو وهو عاجز عن فهمها: كالمجنون، أو بلغته مشوهة بحيث يكون الذي بلغه عن الرسل أنهم يدعون إلى أقوال شركية مِن جنس ما هو عليه، وربما أفدح، ولا يبلغه أنهم دعوا إلى التوحيد.
وفي ذات الوقت قضوا بكفر مَن بلغته الحجة فأعرض عن سماعها أو استكبر.

ووسطية أهل السنة نابعة مِن اتباعهم للكتاب والسنة، وجمعهم بيْن الأدلة؛ فيفهمون كل دليل على ضوء سائر الأدلة.
وأما تطرف غيرهم فينشأ مِن الإخلال بدعوى الاتباع عن طريق استيراد أفكار مِن آراء وفلسفات، ثم إخضاع الشرع لها مِن حيث يظنون أنهم يخضعونها للشرع؛ وينحازون للأدلة التي تشهد لأصولهم المستوردة.

ولذلك فمِن عجيب أمر هذه التيارات الموسومة بالعقلانية (ونحن نستعمل هذا اللفظ لشيوعه؛ وإلا فنحن لا نقر لهم بأنهم عقلانيون، بل إن ما خالفوا فيه الشرع عند التأمل سنجده مخالف للعقل أيضًا، فإن ما صحت نسبته إلى الشرع لا يمكن أن يُعارِض ما قطع به العقل، وأما ما تحير فيه العقل؛ فالشرع هو أهم وأولى مصادر هداية العقل في تحيره) - نقول: مِن عجيب أمر هذه التيارات العقلانية أنهم قديمًا متمثلين في المعتزلة والماتريدية قد أخذوا جانب "الوعيد" عمومًا مع عصاة المسلمين وقالوا بمؤاخذة مَن لم تبلغه الدعوة مِن الكفار مخالفين بذلك نص القرآن: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الإسراء:15)، كما سيأتي، وهذا تعظيمًا منهم لجانب العقل واعتباره وحدة حجة على العباد دون إرسال الرسل، وربما تمسكوا بنصوص الميثاق والفطرة كما سيأتي -إن شاء الله-.

في حين أن معاصري التيارات العقلانية -ولأن القضية الأكثر إلحاحًا على العقل المعاصِر هي التعايش بيْن الشعوب- ربما يميلون إلى عذر بعض مَن بلغتهم الدعوة في زمن تحول العالم فيه إلى قرية صغيرة، وليت الأمر يقتصر على مَن بلغته الدعوة مشوهة كما كان الحال في أوروبا في العصور الوسطى أو ربما كما هو الحال الآن في بعض القبائل الإفريقية الذين لا يعرفون عن الإسلام إلا أنه ديانة وثنية كديانتهم -وربما أكثر وثنية!-؛ فهؤلاء تقتضي ذات الأدلة عذرهم، ولكن البعض يضيف إلى هذا: الذين بلغتهم الحجة؛ فتركوها عنادًا واستكبارًا.
وفي هذه المقالة نحاول أن نلخص هذه المسألة، وقد استفدت كثيرًا فيها مِن رسالة الماجستير المعنونة بـ"أهل الفترة ومَن في حكمهم" للباحث "موفق أحمد شكري" فيما يتعلق بتلخيص الأدلة والمذاهب المتعلقة بأحكام أهل الفترة، وإن كانت قد أوليتْ اهتمامًا بأقوال العلماء المعاصرين في مسألة حكم كفار أهل هذا الزمان.

تنبيهات:
1- الكلام عن عذر الكافر الذي لم تبلغه الدعوة، وليس عن تسميته؛ فلا خلاف بيْن كل الطوائف بأنه يسمَّى "كافرًا"، ولا خلاف بأنه لا يمكن الحكم بإسلام أحد لا يشهد لله بالوحدانية، وللرسول الذي أرسل إليه بالرسالة، وهذا يعني أنه بعد بعثة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يمكن أن يُحكم بإسلام مَن لم ينطق بـ"لا إله إلا الله، محمد رسول الله" كما هو مبيَّن في أبواب ما يصير به الكافر مسلمًا.

2- ومحل عذر هؤلاء في الدنيا والآخرة؛ ففي الدنيا لا يعمهم الله بعقاب قبْل إقامة الحجة، وكذلك لا يقاتلهم المسلمون قبْل الدعوة إلى الإسلام، وأما في الآخرة: فمذهب الأشاعرة أنهم "ناجون"، ولكن جماهير فقهاء الأمة على أنهم "يُمتحنون" -كما سيأتي بيانه-.

3- نفس القواعد تنطبق على المسلم الذي جهل بعض تفاصيل الدين، ولكنه يكون مسلمًا معذورًا؛ لثبوت عقد الإسلام له.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فمعلوم أن الحجة تقوم بالقرآن على مَن بلغه كقوله -تعالى-: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (الأنعام:19)، فمَن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة بما بلغه مِن القرآن دون ما لم يبلغه؛ فكيف فيمن لم يبلغه جميع نصوص الكتاب فهذا مِن باب أولى" (الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ج 1، ص 310).

4- نرى دائمًا أن بيان الخلاف بين أهل الحديث (سأستعمل هذا المصطلح لوضوحه عند الجميع) والأشاعرة الذين كان منهم فقهاء وشراح للحديث، وتصدوا مع أهل الحديث للرد على الشيعة والخوارج والفلاسفة - يجب ألا يُشغل به العامة، ولكن للأسف تحاول بعض الجهات أن تربط بيْن أهل الحديث والتكفير!

ويُؤخذ على هذا المسلك عدة أمور:
- ظلم أهل الحديث قديمًا "والسلفية" حديثًا؛ فما تصدى للرد على الخوارج قديمًا و"داعش" وأمثالها حديثًا أكثر مِن السلفيين.
- الاشاعرة مجمعون على أن الماتريدية أحد مذاهب أهل السنة، ومذهب الماتريدية وإن كان موافقًا لمذهب الأشاعرة في الصفات؛ إلا أنه قريب مِن منهج أهل الحديث في أبواب، وقريب جدًّا مِن مذهب المعتزلة في الوعيد، ومنه هذه المسألة؛ فهم يقولون بعدم عذر أهل الفترة.

- رغم الخصومة التاريخية بين المعتزلة والأشاعرة، ورغم خطورة منهج الاعتزال ومسئوليته قديمًا وحديثًا عن محاولات هدم السنة، والتعاون المعتزلي الشيعي الوثيق عبْر التاريخ في هذه المسالة؛ إلا أننا نجد مِن كثير مِن الاشاعرة اليوم نوعًا مِن الهدنة مع المعتزلة في مقابل الحرص على إثارة الخلاف مع أهل الحديث (السلفيين)، بل واتهامهم بالمسئولية عن تيارات التكفير.

- يغفل هؤلاء حقيقة تاريخية وهي: أن التيار التكفيري الأول كان "عقلانيًّا" وأن التيار التكفيري الحديث النابع مِن الفكر "القطبي" تيار عقلاني أيضًا؛ فـ"سيد قطب" ملقب عندهم بالمفكِّر وليس بالمحدث، ولا الفقيه، ولا الأصولي، ولا حتى المفسِّر؛ وإن كانت آراء "سيد قطب" قد زادها البعض تطرفًا وألبسها ثوب نصوص سلفية؛ مما أوهم الكثيرين أن بذرة فكر التكفير عن سيد قطب بذرة سلفية، وهي ليست كذلك، بل هي فكرة عقلانية بامتياز، بل لا نكون مبالغين إذا قلنا إنها عين فكرة الخوارج والمعتزلة في تصورهم أن الإيمان كلٌ لا يتبعض، وأن ذهاب بعض الإيمان يعني ذهابه كله، وعدم تصورهم لمسألة زيادة الإيمان ونقصانه؛ ولذلك اُعتبرت مسألة زيادة الإيمان ونقصانه هي العنوان الأبرز لعقيدة أهل السنة في هذه القضية.

أولاً: حكم أهل الفترة:
يعتبر أهل الفترة هم القسم الأكثر شهرة مِن بين أصناف مَن لم تبلغهم الدعوة أو بلغتهم مع وجود مانع من سماعها أو فهمها، وقد عرَّف ابن كثير -رحمه الله- الفترة فقال: "هي ما بيْن كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسى عليه السلام، ومحمد -صلى الله عليه وسلم-".
وكما هو واضح من هذا التعريف أنه لا تلازم بين كون الشخص في زمن فترة بين نبيين وبين عدم بلوغ الحجة، وبالتالي لزم التفصيل.

وهذا التفصيل على النحو الآتي:

أقسام أهل الفترة:
ينقسم أهل الفترة إلى قسمين:
القسم الأول: مَن بلغته الدعوة.
القسم الثاني: مَن لم تبلغه الدعوة وبقي على حين غفلة.

ويشمل القسم الأول نوعين، هما:
1 - مَن بلغته الدعوة، ووحّد ولم يشرك.
2 - مَن بلغته الدعوة، ولكنه غيّر وأشرك.
فمن وحّد ولم يشرك بالله شيئًا كـ"قس بن ساعدة الأيادي" الذي ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية"، وقسّ هذا له خطبة مشهورة مِن كلماتها: "أقسمَ قسٌّ قسمًا لا ريب فيه أن لله دينًا هو أرضى لكم مِن دينكم".
وكذلك "زيد بن عمرو بن نفيل" الذي كان يقول: "اللهم إني لو أعلم أحبَّ الوجوه إليك عبدتك، ولكني لا أعلم، ثم يسجد على راحلته". وكان يقوِل:
أربـًّا واحـدًا أم ألـفُ رَبٍّ                  أدين إذا تقسّمت الأمور
وهذا النوع ليس محلًا للنزاع؛ وذلك لورود النصوص التي تدل على أنهم ماتوا على التوحيد.

والنوع الثاني: بلغته الدعوة، ولكنه أشرك وغيّر ولم يوحد، وأمثلة ذلك كثيرة، منها:
1 - عمرو بن لحي: فهو أول مَن سنَّ عبادة الأصنام؛ فبحّر البحيرة، وسيّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "رأيت عمرو بن لحي بن خندف أخا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في النار"، وهذا محمول على أنه غير وبدل وأشرك بعد أن بلغته الدعوة.
2 - وكما ورد في عبد الله بن جدعان: فعن عائشة -رضي الله عنها- أنها سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ابن جدعان فقالت: قلت يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه؟ قال: لا، إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".
القسم الثاني: (مَن لم تبلغه الدعوة وبقي على حين غفلة مِن هذا كله):
وأكثر أهل الجاهلية من هذا النوع، قال الله -تعالى-: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) (يس:6).
وقال -تعالى-: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) (السجدة:3).
وقال -تعالى-: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (القصص:46).
وهذا القِسْم هو محل نزاع بيْن الفرق.

المذاهب المختلفة في حكم مَن لم تبلغه الدعوة مِن أهل الفترة:
انقسم الناس في حق مَن لم تبلغه الدعوة مِن أهل الفترة إلى مذهبين رئيسيين:
الأول: مَن قال إنهم في النار، وهم المعتزلة والماتريدية.
الثاني: أنهم غير معذبين، وهم أهل الحديث والأشاعرة.

ثم اختلف هؤلاء: هل هم ناجون أم لا؟
- فذهب أهل الحديث وبعض الاشاعرة إلى أنهم يمتحنون.
- وذهب جمهور الاشاعرة إلى أنهم ناجون.

استدلالات  المعتزلة والماتريدية في القول بمؤاخذة أهل الفترة:
تمسك المعتزلة بأصلهم في قضية التحسين والتقبيح العقليين، ووافقهم على ذلك الماتريدية، ثم إنهم عمدوا لبعض أدلة الشرع فانتزعوا منها ما يمكن أن يصلح شاهدًا لآرائهم لو فُهم بمعزل عن باقي النصوص، ومِن ذلك:
أ‌- دليل الميثاق.
ب‌- دليل الفطرة.
ج- الأدلة العامة في مؤاخذ الكفار، مثل قوله -تعالى-: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (النساء:18)، و قوله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء:48)، وقوله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (البقرة:161).

الإجابة على استدلالات المعتزلة والماتريدية:
أما احتجاجهم بالأدلة الواردة في عذاب الكفار فيجب أن تقيد بالكافر الذي بلغته الحجة؛ جمعًا بيْن النصوص.
وأما استدلالهم بالميثاق والفطرة، فالجواب أن الله قد قضى بتمام رحمته وكمال عدله ألا يعذب أحدًا إلا بعد أن تتم عليه الحجة ببعثة الرسل، فالحجة الرسالية هي القاطعة للعذر، وإلا فلا يعتبر الميثاق ولا الفطرة دليلاً كافيًا؛ وذلك لقوله -تعالى-: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء:165)، كما سيأتي مفصلاً في أدلة أهل السنة في القول بعدم مؤاخذة أهل الفترة.
أدلة أهل السنة على عدم مؤاخذة أهل الفترة:
استدل أهل السنة على عدم مؤاخذة أهل الفترة بأدلة، منها أدلة قرآنية علـَّقت المؤاخذة على إرسال الرسل، فمنها:
1- قوله -تعالى-: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء:15).
2- قوله -تعالى-: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء:165).
3- قوله -تعالى-: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ . قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ) (الملك:8-9)، وفي معناها الكثير مِن الآيات.
4- قوله -تعالى-: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة:19).
5- قوله -تعالى-: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (القصص:59).
كما احتجوا بجملة مِن الأحاديث التي بيَّنت أن الحكمة مِن إرسال الرسل هي إقامة الحجة على العباد، منها:
الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب". وفي رواية أخرى: "وما أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، وما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن".
وثمَّ أدلة أخرى تفصيلية بينت عذر هؤلاء، وزادت عليه بيان صفة عذرهم وحكم الله فيهم بجعلهم مِن أهل الاختبار في الآخرة، وسنتناولها في المسألة التالية في بيان حجة أهل السنة في هذه المسألة والرد على الأشاعرة في إنكارهم لهذه الأحاديث.

ردود المعتزلة والماتريدية على هذه النصوص وتفنيدها
فائدة في منهج المعتزلة عمومًا في التعامل مع ظواهر النصوص:
مشكلة المعتزلة الرئيسية أنهم متى تشبعوا بفكرة ما اعتبروها قطعيات عقلية، وفي ظنهم أنه ليس في الشرع شيء عقلي إلا ما كان قطعي الثبوت قطعي الدلالة في ظنهم، ثم يقصِرون قطعي الثبوت على القرآن والحديث المتواتر، ويغفلون أن أحاديث الآحاد قد تحتف بها قرائن تجعلها مِن باب قطعي الثبوت، كما يقصِرون قطعي الدلالة على دلالة "النص" ويغفلون أن عند السلف وعند محققي الأصول "وعلى رأسهم الإمام الشافعي" فإن الفرق بين دلالة الظاهر ودلالة النص لا تعني إلا أن يستفرغ المجتهد وسعه قبْل إعمال دلالة الظاهر في البحث هل وجد دليل صحيح يوجب التأويل أم لا؟ كتخصيص العام وتقييد المطلق أو غيرها، فإذا لم يجد؛ كان هذا الظاهر بقوة النص، ولذلك بدَّع السلف الخوارج لمخالفتهم ظواهر النصوص التي تقضي بإسلام مرتكب الكبيرة، وعدوا بعض مسائل الفقه مِن الخلاف غير السائغ؛ لمخالفتها ظواهر النصوص، بل إن الإجماع والقياس وغيرهما مِن مصادر الأدلة قد تحتف بها قرائن فتجعلها من قطعية الدلالة (يراجع في ذلك كتاب القطع والظن عند الأصوليين للدكتور سعد الشثري).
فهذا مِن جهة سوء ظن المعتزلة بأدلة الشرع وتعاملهم معها على أنها كلها إلا قليلاً قابلة للتأويل، وفي المقابل يغلو المعتزلة جدًّا في نتاج عقول كبرائهم فيصفونها بالقطعيات العقلية بينما هي استنباطات قد تصيب حينًا وتخطئ أحيانًا، وفي حال صحتها فإنه مِن النادر أن تكون من باب القطعيات العقلية؛ وإلا لما تنازع معظم "العقلاء" فيها.
وفي مسألة الوجوب والحظر العقليين نجد مثلاً أن المعتزلة يستغرقون في حُسن التوحيد وقبح الشرك، وهذا جيد ولكنهم يخرجون منه بقاعدة الوجوب والحظر العقليين.

وهم في هذا يتجاوزون قضيتين عقليتين أيضًا:
الأولى
: أنه ليست كل المسائل بظهور قضية التوحيد وما يضاده مِن الشرك أو شكر المنعم، وما يضاده من جحوده.
الثانية: وهي الأهم أنه لا يلزم من كون العقل يقدر على إدراك هذا أن يكلفه الله به، ويجوز (عقلاً) وهو الواقع (شرعًا) ألا يحاسب الله الناس إلا بعد أن يقيم عليهم حجة أخرى؛ لا سيما وأن عقولاً بشرية كثيرة تنحرف حتى في الحقيقة الكبرى في هذا العالم (وجود الله) فيموهون على بعض الناس باطلهم بشبهات عقلية يظنها أتباعهم أيضًا (قطعيات عقلية!)، واقتضت رحمة الله ألا يؤاخذهم حتى يبعث لهم رسلاً لينفضوا الغبار عن الفطرة ويذكرونهم بالميثاق، ويدحضوا الشبهات؛ فبهم تتم الحجة على العباد.
ونخلص مِن هذا أن المعتزلة لا يعتنون كثيرًا بالتأويلات التي يتأولون بها النصوص؛ لأن القضية محسومة لديهم بوجوب إعمال ما توهموه قطعيات عقلية، وبتطبيق هذا على النصوص الواردة في عدم المؤاخذة إلا بعد إرسال الرسل.
- تمسك المعتزلة بآثار عن بعض السلف حملت قوله -تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) على عذاب الدنيا، وهذا ليس نصًّا في محل النزاع؛ لأنه معروف أن السلف قد يفسرون الآية ببعض ما تدل عليه، ثم إن مِن الآيات التي في هذا المعنى ما هو صريح في باب عذاب الدنيا مثل قوله -تعالى-: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (القصص:59)، وبعضها مطلق فيجب أن يحمل على إطلاقه مثل قوله -تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) فكما لم يتأتى لهم ما ذكروه على هذين النوعين، فلن يتأتى على الآيات المصرحة بأمر الآخرة مثل قوله -تعالى-: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ).
بل إن الآيات الواردة صراحة في شأن العذاب الدنيوي تدل على نفي العذاب الأخروي مِن باب قياس الأولى، ثم إن هذه الأدلة القرآنية قد عضدت بنصوص مِن السنة ذكرت العذر وزادت تفصيل هيئة هذا العذر، وهو جعلهم يوم القيامة من أهل البلاء والاختبار، ولكن المعتزلة قد أراحو أنفسهم من عناء تأول نصوص السنة وجعلوا لها تأويلاً واحدًا، وهو رفض العمل بأحاديث الآحاد، ووافقهم الاشاعرة على هذا في باب العقائد، وبالتالي لا يستطيع الأشاعرة في معظم الأحيان أن يردوا الرد الحاسم على المعتزلة؛ لأن الشرح والتوضيح والبيان غالبًا ما يوجد في السنة وأغلبه من باب أحاديث الآحاد.
ولا شك أن الأحاديث الواردة في امتحان أهل الفترة قاضية على كل تأويلات المعتزلة في هذا الباب.

وهذا ما سيتضح في المسألة الآتية:
اختلاف أهل الحديث والأشاعرة حول أهل الفترة في الآخرة: هل هم ممتحنون أم ناجون؟
ذهب أهل السنة إلى أن أهل الفترة يُمتحنون في عرصات القيامة بنار يأمرهم الله -سبحانه وتعالى- بدخولها، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومَن لم يدخلها فقد عصى الله -تعالى-، فيدخله الله فيها ووردت في ذلك عدد مِن الأحاديث يأتي ذكرها.
وقد حكى الإمام أبو الحسن الأشعري هذا القول عنهم في مسألة أطفال المشركين (وهي نوع من الأنواع التي جاءت الأحاديث بإثبات الامتحان لهم)، فقال كتاب الإبانة: (وقولنا في أطفال المشركين أن الله -تعالى- يؤجج لهم في الآخرة نارًا، ثم يقول لهم اقتحموها، كما جاءت بذلك الرواية).
وقال في الإبانة أيضًا: (وقد قيل في الخبر: (إن أطفال المشركين تؤجج لهم نار يوم القيامة ثم يقال لهم اقتحموها، فمن اقتحمها أدخله الجنة، ومن لم يقتحمها أدخله النار). وقد قيل في الأطفال، وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن شئت أسمعتك ضغاءهم في النار".
والجدير بالذكر أن متأخري الاشاعرة يجدون حرجًا بالغًا فيما ورد في كتاب الإبانة مما يخالف ما عليه متكلمو الأشاعرة، فتارة يقولون إن هذا الكتاب كان في بداية تدشينه لمذهبه ووافق فيه أهل الحديث في بعض المسائل، وتارة يقولون إنه وافق فيه أهل الحديث في بعض الأمور استدراجًا لهم! ولكنهم مع ذلك متفقون على مرجعية كتاب مقالات الإسلاميين، وقد قال فيه في حكاية مذهب أهل السنة والجماعة: (وأن الأطفال أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم وإن شاء فعل بهم ما أراد)، وقوله: "وإن شاء فعل بهم ما أراد" إشارة لقول مَن قال مِن أهل السنة أن أطفال المشركين من أهل البلاء والاختبار.
ويقول ابن حجر: (فقد صحت مسألة الامتحان في حق من مات في الفترة والمجنون).
وقد خالف الاشاعرة في ذلك فقالوا إن أهل الفترة ناجون، وردوا الأحاديث بأنها أحاديث آحاد كما سيأتي بيانه.
الأدلة على أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة

استدل هؤلاء الأئمة على ما ذهبوا إليه بما يلي:
1- الحديث الذي أورده أحمد في مسنده عن الأسود بن سريع، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة، رجل لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة. فأما الأصم فيقول: رَبِّ، قد جاء الإِسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: رب، قد جاء الإِسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإِسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني كتاب ولا رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا".
2- الحديث الذي يرويه أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يؤتى بأربعة يوم القيامة، بالمولود وبالمعتوه وبمن مات في الفترة وبالشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب -تبارك وتعالى- لعنق من النار ابرزي، فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم، قال: ويقول لهم ادخلوا هذه، ويقول من كتب عليه الشقاء: أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟! فيقول الله: فأنتم لرسلي أشد تكذيبًا. قال: وأما من كتب عليه السعادة فيمضي فيقتحم فيها، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء إلى النار". وفي الباب أحاديث أخرى في ذات المعنى.
اعتراضات الاشاعرة على أحاديث الامتحان والجواب عليها:
على الرغم من أن الآيات التي استدل بها كل من أهل السنة والأشاعرة في عدم المؤاخذة قبل بلوغ دعوة الرسل؛ إلا أنها تركت مجالاً للسؤال، وهو: إذا لم يكونوا مؤاخذين فماذا سيكون حالهم؟!
وقد تقدم أن أهل الحديث أخذوا بالأحاديث التي بينت أنهم من أهل الاختبار.
وأما الاشاعرة فقد تجشموا عناء القول بأنهم (ناجون)، وقد لاحظت أن جل مؤلفاتهم تستعمل هذا اللفظ دون التصريح بأنهم في الجنة، وكأنهم تحاشوا استعمال هذا اللفظ الصريح، ولكن ما الذي منعهم من القول بدلالة أحاديث الامتحان.
وقد استشكل الأشاعرة هذه الأحاديث مِن جهتين:
الأولى: أنها أحاديث آحاد ولا يُعمل بها في العقيدة.
الثانية: أنها معارضة لما تقرر أن الآخرة دار جزاء وليست دار عمل.
والمسالة الأولى مسألة كلية مِن قواعد الاستدلال، ولا يمكن أن نصلي ونزكي ونصوم، ونستحل الفروج، ونوجب حقًّا معلومًا في الأموال بأحاديث الآحاد ثم لا ترقى تلك الأحاديث لتخبرنا عن مصير الكافر الذي لم تبلغه الحجة يوم القيامة؛ لا سيما وهي لا تثبت حكمًا استقلالاً (ولو كان كذلك لوجب التسليم لها)، ولكنها مفسرة ومبينة لما ورد في القرآن.
وأما رد الأحاديث بدعوى أن الآخرة دار جزاء فمسلك لا يرضاه فقهاء الاشاعرة لو كانوا قد اعتبروا أن المسألة من مسائل العمل؛ وإلا فمقتضى الأصول أن يقال إن ألأصل أن الآخرة دار جزاء إلا ما استثناه الدليل، وأجود مِن هذا قول الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: "وَمَنْ طَعَنَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ لَا دَارَ تَكْلِيفٍ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُخَالِفَةٌ لِلْعَقْلِ، فَهُوَ جَاهِلٌ، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ إِنَّمَا يَنْقَطِعُ بِدُخُولِ دَارِ الْقَرَارِ، الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، وَإِلَّا فَالتَّكْلِيفُ وَاقِعٌ فِي الْبَرْزَخِ وَفِي الْعَرَصَاتِ، وَلِهَذَا يَدْعُوهُمْ إِلَى السُّجُودِ لَهُ فِي الْمَوْقِفِ، فَيَسْجُدُ الْمُؤْمِنُونَ لَهُ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا، وَيُحَالُ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَبَيْنَ السُّجُودِ".
حكم المجانين وذوي العاهات والأطفال:
أما المجنون وذوو العاهات المانعة مِن السمع والإدراك؛ فهم أظهر عذرًا مِن أهل الفترة ولا إشكال فيهم، وأما الذين ماتوا وهم أطفال قبل الحلم ففيهم شيء من التفصيل.
أولاً: أطفال المسلمين:
أطفال المسلمين في الجنة: قال النووي في شرح مسلم: "وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ تُوُفِّي صَبِيٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَتْ طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ قَالَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا وَتَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ نَهَاهَا عَنِ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ كَمَا أَنْكَرَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي قَوْلِهِ أَعْطِهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا قَالَ أَوْ مُسْلِمًا الْحَدِيثَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ فَلَمَّا عَلِمَ قَالَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم ما من مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ".
أطفال المشركين:
قال الإمام النووي: "وَأَمَّا أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فَفِيهِمْ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ، قال: الْأَكْثَرُونَ هُمْ فِي النَّارِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ وَتَوَقَّفَتْ طَائِفَةٌ فِيهِمْ وَالثَّالِثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَّةِ وَحَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ قَالَ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ -تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) وَلَا! يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمَوْلُودِ التَّكْلِيفِ وَيَلْزَمُهُ قَوْلُ الرَّسُولِ حَتَّى يَبْلُغَ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ".
وقد قال الإمام ابن كثير بنحوه، ولكنه زاد في ثنايا كلامه ثلاثة مذاهب أخرى:
- أنهم خدم أهل الجنة.
- القول بأنهم من أهل الامتحان.
- القول بان بعضهم من أهل الجنة، وبعضهم من أهل الامتحان.
فقال: "فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وِلْدَانِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ سَمُرَة أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ  رَأَى مَعَ إِبْرَاهِيمَ أَوْلَادَ الْمُسْلِمِينَ وَأَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ وَبِمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ حَسْنَاءَ عَنْ عَمِّهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ". وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ أَحَادِيثُ الِامْتِحَانِ أَخَصُّ مِنْهُ. فَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ أَنَّهُ يُطِيعُ جَعَلَ  رُوحَهُ فِي الْبَرْزَخِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَأَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْفِطْرَةِ، وَمَنْ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُجِيبُ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ -تعالى-، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ فِي النَّارِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ الِامْتِحَانِ، وَنَقَلَهُ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ [وَالْجَمَاعَةِ] ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ مَنْ يَجْعَلُهُمْ مُسْتَقِلِّينَ فِيهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُمْ خَدَمًا لَهُمْ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".


وبهذا العرض نكون قد انتهينا مِن الجزء الأول مِن هذا الموضوع، وهو بيان عذر الله لمن لم تبلغه الحجة، ونتناول في المقال القادم -بإذن الله- الفرق بيْن هؤلاء وبين مَن بلغته الحجة فأعرض عنها.