شريف طه - الثابت في كل تجارب النهوض! - بوابة الفتح الالكترونية
شريف طه
2018-02-27 17:23:19

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعامل رئيسي في كل تجارب النجاح والنهوض سواء في التاريخ أو في واقعنا المعاصر "هو العدل".

قد تختلف تجارب النهوض والتحول (السياسي أو الاقتصادي) في الأيديولوجيات ما بيْن الرأسمالية والديمقراطية (كأغلب النظام الغربي)، أو الشيوعية ونظام الحزب الواحد (كالتجربة الصينية) التي استطاعت تحقيق نهضة صناعية واقتصادية كبرى دون اعتماد النظام السياسي الغربي، وهو ما يكسر التلازمية التي يروِّج لها كثيرٌ مِن مثقفي الغرب والنخب التابعة لهم في اقتران التنمية بالمنظومة السياسية والقيمية الغربية.

ومِن هنا نشأت فكرة استنساخ التجربة الأوربية بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، مدعين أن التجربة تُصْلِح نفسَها بنفسها بعيدًا عن كثرة التفلسف؛ التجربة الصينية كسرت هذه التلازمية.

البعض يضع التجربة التركية كنموذج تنموي إسلامي، ولكن الحقيقة والإنصاف يقتضيان القول بأن التجربة التركية هي امتداد للنموذج الغربي سياسيًّا -خاصة في بداية التجربة- واقتصاديًّا، ولا يوجد أثر للأيديولوجية الإسلامية في المشروع الأردوغاني، رغم اعتماد قائده على الشعارات الإسلامية؛ لجلب التأييد واستنهاض الطاقات!

الغرض المقصود: أنه قد تختلف الأيديولوجيات، ولكن يبقى عامل نجاح في كل التجارب "وهو العدل"؛ فالعدل يستنهض الهمم، ويبعث الطاقات، ويشعر الجميع بحقيقة الانتماء؛ بخلاف الظلم الذي يقتل الشعور بالانتماء، ولا يفلح معه كثرة الأغاني والهتافات.

في العدل يشعر الجميع أن الوطن ملك للجميع، وفي الظلم تشعر الأكثرية أن الوطن ملك لأقلية؛ 99% يشعرون أن الوطن ملك لـ 1%!

وهنا لا يمكن الحديث عن معاني البذل والعطاء والتضحية.

العدل يحتاج لقانونٍ عادلٍ ينحاز لتحقيق مصالح الأمة، ويعبِّر عن احتياجاتها، والأهم مِن ذلك هو تطبيق القانون على الجميع، وهو ما تميزت به جميع الدول الناهضة؛ بغض النظر عن الأيديولوجية -كما أشرنا-.

سيادة القانون تعني: أن الجميع خاضع للمحاسبة والمراقبة دون أدنى استثناء، والنماذج في ذلك كثيرة، ويؤسفني أن أختار منها نموذج الكيان الغاصب الذي يحاسِب رئيس وزرائه بتهم الرشوة، وليستْ سابقة فريدة؛ فسلفه "يهود اولمرت" تنحى عن منصبه لنفس التهم؛ لا احتجاج هنا بأزماتٍ محيطةٍ، ولا واقعٍ جغرافي متفجر، سيادة القانون عامل قوة في المواجهة، وتماسك الجبهة الداخلية.

البشر هم البشر في الغرب والشرق، يميلون للفساد عند التمكن، الفارق يكمن في النظام السياسي الذي يتسم بالمراقبة والمحاسبة، وسيادة القانون؛ هذه عوامل لا تتغير باختلاف الزمان والمكان.

في النموذج الحضاري الإسلامي العظيم، كان الخليفة الراشد علي بن أبي طالب يقف أمام القضاء لمخاصمة يهودي سلب درعه! والفاروق عمر يأمر ابنه ببيع إبله السمينة، وأخذ رأس ماله، ورد الزائد لبيت المال؛ لوجود شبهة المحاباة، وهو بذلك يؤسس لقاعدة  تضارب المصالح، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يرد شفاعة حبه أسامة في امرأة سرقت لكي لا تقطع يدها ثم يخطب قائلًا: (إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) (متفق عليه).