الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (32)

  • 11

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قوله -تعالى-: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ . أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (البقرة:139-141).

لم تزل الخصومة والمجادلة -ولن تزال- بين أهل الملل الثلاثة: (الإسلام واليهودية والنصرانية) الباقية إلى قُرب يوم القيامة، إلى زمن نزول المسيح -صلى الله عليه وسلم-؛ ليبطل جميع الملل إلا ملة الإسلام.

وتكون الملة على عهده واحدة، وأما قبل ذلك فلا تزال الخصومة والمحاججة كما أثبتها القرآن في هذه الآية الكريمة وفي غيرها؛ فمَن زعم مِن أهل زماننا مساواة هذه الملل الثلاثة، وأنها كلها حق، وأنها بمنزلة المذاهب داخل الدين الواحد؛ فقد خالف صريح القرآن، بل في الحقيقة نقض أصل الشهادتين عنده؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ لأن أهل الديانتين: اليهودية والنصرانية -بعد التحريف- يعبدون غير الله، ولا يتبرؤون من عبادة غير الله، قال الله -تعالى-: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ .  يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:30-33).

فوصفهم الله -عز وجل- بأنهم يشركون، ووصفهم بالكافرين والمشركين، وأنهم عبدوا غير الله -سبحانه وتعالى-، كما أن الفريقين يكذِّبان محمدًا -صلى الله عليه وسلم- والقرآن العظيم، ومَن صدقه منهم فيقول: هو رسول إلى العرب فقط، ولا يلزمنا اتباعه! وهذا من أعظم التناقض؛ فلو كان رسولًا فقد صدق فيما قال عن رسالة ربه إليه، قال -عز وجل-: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأعراف:158)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ في قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً) (متفق عليه).

فلم تزل الخصومة قائمة باختلاف هذه الملل عن بعضها البعض في الأصلين العظيمين -الإلهية والنبوة-؛ فكيف يزعم البعض أن لا خلاف، أو يزعم أن الخلاف بينها دينامكي وليس في الأصول؟! إلى الله المشتكى.

وأما معنى قوله -تعالى-: (وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) أي: أنه المستحِق للعبادة، والواجب علينا وعليكم الإيمان بربوبيته وحده، وعبادته وحده، لا أنهم يفعلون ذلك في حقيقة الأمر، كما سبق بيان الآية الكريمة (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) (التوبة:31).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "قوله -تعالى-: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ... ) الآية. يقول الله -تعالى- مرشدًا نبيه -صلوات الله وسلامه عليه- إلى درء مجادلة المشركين: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ) أي: أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص له والانقياد، واتباع أوامره وترك زواجره، (وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له! (وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) أي: نحن برآء منكم ومما تعبدون، وأنتم برآء منا، كما قال في الآية الأخرى: (وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ) (يونس:41)، وقال -تعالى-: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران:20)، وقال -تعالى- إخبارًا عن إبراهيم: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ... ) (الأنعام:80)، إلى آخر الآية. وقال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) (البقرة:258)، وقال في هذه الآية الكريمة: (وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) أي: نحن برآء منكم كما أنتم برآء منا، (وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) أي: في العبادة والتوجه" (انتهى من تفسير ابن كثير).

وقوله -رحمه الله-: "درء مجادلة المشركين": يعني بذلك مشركي أهل الكتاب الذين وصف الله صفتهم، ومما يوضِّح ذلك: قول ابن جرير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية.

قال أبو جعفر -رحمه الله-: " يعني -تعالى ذكره- بقوله: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ) قل يا محمد لمعاشر اليهود والنصارى الذين قالوا لك ولأصحابك: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا، وزعموا أن دينهم خيرٌ من دينكم، وكتابهم خير من كتابكم؛ لأنه كان قبل كتابكم، وزعموا أنهم من أجل ذلك أولى بالله منكم، (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) بيده الخيرات، وإليه الثواب والعقابُ، والجزاءُ على الأعمال؛ الحسنات منها والسيئات، فتزعمون أنكم بالله أولى منا من أجل أن نبيكم قبل نبينا، وكتابكم قبل كتابنا، وربكم وربنا واحدٌ، وأن لكلِّ فريق منا ما عمل واكتسب من صالح الأعمال وسيئها، يجازَى عليها فيُثَابُ أو يُعَاقَبُ؛ لا على الأنساب، وقِدمَ الدِّين والكتاب. ويعني بقوله: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا) قل أتخاصموننا وتجادلوننا؟ ونقل ذلك عن مجاهد وابن زيد وابن عباس.

ثم قال: فأما قوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) فإنه يعني: ونحن لله مخلصو العبادةِ والطاعة، لا نشرك به شيئًا، ولا نعبد غيره أحدًا، كما عبد أهل الأوثان معه الأوثانَ، وأصحاب العِجل معه العجلَ.

وهذا من الله -تعالى ذكره- توبيخٌ لليهود، واحتجاج لأهل الإيمان، بقوله -تعالى ذكره- للمؤمنين من أصحاب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: قولوا -أيها المؤمنون لليهود والنصارى الذين قالوا لكم: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا -: (أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ)؟ يعني بقوله: (فِي اللَّهِ)، في دين الله الذي أمَرَنا أن نَدين به، وربنا وربكم واحدٌ عدلٌ لا يجور، وإنما يجازي العبادَ على ما اكتسبوا. وتزعمون أنّكم أولى بالله منا؛ لقدم دينكم وكتابكم ونبيكم، ونحنُ مُخلصون له العبادة، لم نشرك به شَيئًا، وقد أشركتم في عبادتكم إياه، فعبد بعضكم العجلَ، وبعضكم المسيحَ، فأنَّى تكونون خيرًا منا وأولى بالله؟! (انتهى من تفسير ابن جرير).

قوله -تعالى-: (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة:140).

تأكيدٌ على ما سبق بيانه من أن دين إبراهيم ويعقوب وإسحاق والأسباط كان هو الإسلام لا اليهودية ولا النصرانية، وأن الله هو الذي حكم بذلك؛ ولأن اليهودية والنصرانية كانت بعد نبوة هؤلاء ورسالتهم؛ فكيف يكونون هودًا أو نصارى؟! إنما كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له، واليهود والنصارى عندهم من الأخبار عن الله -عز وجل- في كتبهم من أن هؤلاء الأنبياء كانوا قبل موسى وقبل عيسى؛ فلابد أن يشهدوا بأن دينهم هو الإسلام دون اليهودية والنصرانية.

قال ابن كثير -رحمه الله- في الآية: "ثم أنكر -تعالى- عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومَن ذُكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية وإما النصرانية فقال: (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) يعني: بل الله أعلم، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودًا ولا نصارى، كما قال -تعالى-: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ... ) (آل عمران:67)، الآية والتي بعدها.

وقال -تعالى-: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ)، قال الحسن البصري: كانوا يقرؤون في كتاب الله الذي أتاهم: إن الدين الإسلام، وإن محمدًا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهدوا لله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك.

وقوله: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) تهديد ووعيد شديد، أي: أن علمه محيط بعملكم، وسيجزيكم عليه.   

ثم قال -تعالى-: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ) أي: قد مضت، (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ) أي: لهم أعمالهم ولكم أعمالكم، (وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، ولا تغتروا بمجرد النسبة إليهم؛ حتى تكونوا مثلهم منقادين لأوامر الله واتباع رسله؛ الذين بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه مَن كفر بنبي واحدٍ فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما بسيد الأنبياء، وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من المكلفين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين" (انتهى من تفسير ابن كثير).