إن الله يأمر بالعدل والإحسان (2)

  • 46

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تحدثتُ في المقال السابق عن خلق من الأخلاق الحميدة التي أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- ليتممها كما قال -صلى الله عليه وسلم- عن نفسه: (‌إِنَّمَا ‌بُعِثْتُ ‌لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وهو خلق العدل. 

وهو -صلى الله عليه وسلم- لكمال عبوديته وانكساره، وإخباته لربه وعلمه بفقره وحاجته لربه الغني الكريم، وكذا معلمًا لأمته كيف تسأل ربها -سبحانه-، كان يقول كما في الدعاء الذي رواه مسلم رحمه الله في صحيحه عنه -صلى الله عليه وسلم-: (وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأخْلَاقِ، لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ)، وخص -صلى الله عليه وسلم- خلق العدل بسؤال خاص فقد كان يقول: (وَأَسْأَلُكَ ‌كَلِمَةَ ‌الْحَقِّ ‌فِي ‌الرِّضَا ‌وَالْغَضَبِ) (رواه النسائي، وصححه الألباني)، يعني في حال رضاه عن الناس وفي حال سخطه وغضبه عليهم كما قال -سبحانه وبحمده-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا ‌قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء: 135)

فهذا في حال الرضا خاصة مع الوالدين فمن دونهم من الأقارب والأحباب قد يدفع المرء إلى محاباتهم على غيرهم، كما كان شائعًا قبل بعثته -صلى الله عليه وسلم- فنهوا عن ذلك وأمروا بالعدل، وكذا في حال السخط والغضب والبغض للشخص قد يكون ذلك دافعًا لظلمهم، فأمرهم -سبحانه- بالعدل معهم، فقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا ‌قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: ٨).

فأمرهم بتقواه -سبحانه- والعدل معهم، وختم الآية بخاتمة بديعة من شأنها أن تحرك وتأخذ بنواصي أهل الإيمان إلى الاجتهاد في العدل؛ لأنه -سبحانه- كما قال: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، ففيه في الحقيقة ترهيب من الظلم وترغيب في العدل لعلم المؤمن بعلم وسمع ورؤية ربه له، وكذا بعوضه وثوابه -سبحانه- للمتقين في الدنيا قبل الآخرة.

وقد أبرز النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه المعاني السامية في العدل معلما ومربيا أمته فقال عن أقرب الناس إليه كما عند البخاري -رحمه الله- في صحيحه: (فإنَّما أهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ: أنَّهُمْ كانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقامُوا عليه الحَدَّ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لو أنَّ فاطِمَةَ بنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَها).

وكذا تجلَّى عدله وإنصافه ورحمته -صلى الله عليه وسلم- مع مَن كذَّبه وكفر بالله وبرسوله، فقال: (ألا مَن ظلمَ مُعاهدًا، أوِ انتقصَهُ، أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منهُ شيئًا بغَيرِ طيبِ نفسٍ، فأَنا حَجيجُهُ يومَ القيامةِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

والمعاهد ذميًّا كان أو مستأمنًا يحاجج عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة في مظلمته، حتى يستوفي حقه؛ فأي رقي وسمو هذا الذي جاء به هذا النبي الكريم؟! ويكفيه شرفًا مدح ربه العظيم له فقال: (وَإِنَّكَ ‌لَعَلَى ‌خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤)

وهذا كما ذكرتُ لك قبسًا وطرفًا من سيرته -صلى الله عليه وسلم-، والتي في الحقيقة جميعنا بحاجة أن نقتفي أثرها وأن نقتبس منها، وأن نسير على خطاها لنحصل الهدى والرحمة، وسعادة الدنيا والآخرة، وليعود لأمتنا مجدها وعزها المفقود؛ بسبب مخالفته والبُعد عن سنته -صلى الله عليه وسلم-، والله -تعالى- قريب مجيب أن يعيننا على ذلك، وهو العزيز الحكيم -سبحانه وبحمده-. 

والحمد لله رب العالمين.