نقطة تحول في حياة عابد الحرمين الفضيل بن عياض -رحمه الله-

  • 32

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

الفضيل بن عياض هو: الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر، الخُرَاسَانِي، المُجَاوِرُ لحَرَمِ اللهِ، وهو الإِمَام، القُدْوَة، الثَّبْت، شَيْخ الإِسْلاَمِ، وُلِدَ بِسَمَرْقَنْدَ، وَنَشَأَ بِأَبِيْوَرْدَ، وَارْتَحَلَ فِي طَلَبِ العِلْمِ، فقدم الكوفة وهو كبير فسمع بها الحديث، ثم تعبَّد وانتقل إلى مكة فمات بها.

وللفضيل شأن عجيب ونبأ عظيم، حيث ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية"، والذهبي في "السير"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"، والقرطبي في التفسير، وغيرهم: أن الفضيل كان لصًّا يقطع الطريق، وكان يعشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها في ليلة من الليالي سمع صوت قارئ يقرأ القرآن ويتلو: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (الحديد:16)، فلما سمعها قال: بلى قد آن، فتاب إلى الله -تعالى-، ثم أصبح عابد الحرمين!

ومن أقواله:

- "لو أن الدنيا كلها بحذافيرها جعلت لي حلالًا لكنت أتقذّرها".

- "إذا لم تقدر على القيام الليل وصيام النهار، فاعلم أنك محروم مكبل، كبَّلتك خطيئتك".

- وعن إسحاق بن إبراهيم قال: "كانت قراءة الفضيل حزينة شهية، بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنسانًا، وكان إذا مَرَّ بآية فيها ذكر الجنة يرددها".

- وعن أبي إسحاق قال: "قال الفضيل بن عياض: لو خُيِّرت بين أن أعيش كلبًا أو أموت كلبًا، ولا أرى يوم القيامة؛ لاخترت أن أعيش كلبًا أو أموت كلبًا، ولا أرى يوم القيامة".

وكان يُلقَى له حصير بالليل في مسجده فيصلي من أول الليل ساعة حتى تغلبه عينه، فيلقي نفسه على الحصير فينام قليلًا ثم يقوم، فإذا غلبه النوم نام ثم يقوم، وهكذا حتى يصبح!

- وعن مهران بن عمرو الأسدي قال: "سمعت الفضيل بن عياض عشية عرفة بالموقف، وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء، يقول: واسوأتاه، وافضيحتاه وإن عفوت!".

- وقد قال عنه عبد الله بن المبارك: "ما بقي على ظهر الأرض عندي أفضل من الفضيل بن عياض".

وهكذا كثرت أقواله العظيمة المباركة، وكثر ثناء العلماء والعباد عليه، مع أنه كان أحد اللصوص وقطاع الطريق المعروفين؛ إلا أن الله -تعالى- أراد له الهداية، فلما سمع قوله -تعالى-: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (الحديد:16)، فكان لهذه الآية أثر عظيم في نفسه، فوقعت في سويداء قلبه، وقال: "أجل يا رب، آن لي أن أرجع إليك"، وبالفعل رجع تائبًا نادمًا.

فلما جن عليه الليل في الطريق؛ نام في خربة ليستريح، فإذا به يسمع قومًا من المسافرين، يكلِّم بعضهم بعضًا، ويقول أحدهم: "هلموا بنا فلنرحل، فقال بعضهم: لا نرحل الآن؛ حتى لا يقطع علينا الفضيل بن عياض الطريق، وإنما ننتظر إلى الصباح، فلما سمعهم قَالَ: فَفَكَّرْتُ، وَقُلْتُ: أَنَا أَسْعَى بِاللَّيْلِ فِي المعاصي، وقوم من المسلمين ها هنا يَخَافُونِي، وَمَا أَرَى اللهَ سَاقَنِي إِلَيْهِم إِلاَّ لأَرْتَدِعَ، اللَّهُمَّ إِنِّيْ قَدْ تُبْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ تَوْبَتِي مُجَاوَرَةَ البَيْتِ الحَرَامِ".

 فانظر إلى مدى خوف الناس من شره، ثم انظر إلى كيفية تحوله من طريق الظلمات إلى طريق النور، فلقد انتقل الفضيل إلى مكة، وجاور البيت الحرام، وانقطع للعبادة والذكر وقراءة القرآن، والصيام حتى لُقِّب بعد ذلك بعابد الحرمين!

وقد كان الفضيل كثير البكاء من خشية الله -تعالى-، قال سهل بن راهويه: "قلت لابن عيينة: ألا ترى إلى الفضيل لا تكاد تجف له دمعة! -أي: كثير البكاء، لا يراه أحد إلا ويرى دموعه على خديه-، فقال ابن عيينة -وهو صاحبُه وملازِمه-: إذا قَرِح القلب نَدِيتْ العينان".

وكذلك كان الفضيل حسن الظن بالله -تعالى- إلى أعلى درجة، فقد قال إسحاق بن إبراهيم: "سمعتُ الفضيل بن عياض يقول: وعزته وجلاله لو أدخلني النار فصرت فيها ما يئستُ من رحمته".

فعلينا ألا نقنط من رحمة الله -تعالى-، قال -تعالى-: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:53)، فهذا الفضيل تحوَّل تحولًا عجيبًا في حياته -رحمه الله-، فلقد تحول من لص قاطع للطريق، إلى عابد، بل هو إمام الحرم، وكذا علينا ألا نحتقر عاصيًا، بل علينا أن ننصح وندعو للعاصين بالتوبة والرحمة.

روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، قَالَ: (اضْرِبُوهُ)، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، قَالَ: (لاَ تَقُولُوا هَكَذَا، لاَ تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ)، وفي رواية: (لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ، وَلَكِنْ قُولُوا: رَحِمَكَ اللهُ) (رواه أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين).

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "(لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ) وَجْهُ عَوْنِهِمُ الشَّيْطَانَ بِذَلِكَ: أَنَّ الشَّيْطَانَ يُرِيدُ بِتَزْيِينِهِ لَهُ الْمَعْصِيَةَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الْخِزْيُ، فَإِذَا دَعَوْا عَلَيْهِ بِالْخِزْيِ، فَكَأَنَّهُمْ قَدْ حَصَّلُوا مَقْصُودَ الشَّيْطَانِ" (انتهى من فتح الباري).

والغرض المقصود: أن المسلم يدعو لأخيه المسلم، ويقوم معه بواجب النصيحة والدعوة، ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر بلا احتقارٍ أو نحوه، وإن وقع في المعصية فلا يعين الشيطان عليه، ولا يدعو عليه، ولا يحتقره، ويسأل الله العافية، ويدعو لصاحبه بالستر والتوبة والمغفرة.

وفي الحديث: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَدَّثَ: (أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلانٍ، وَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لا أَغْفِرَ لِفُلانٍ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ) (رواه مسلم).

نسأل الله -تعالى- أن يحفظنا من الفتن، وأن يغفر لنا وللمسلمين، وأن يسترنا بستره الجميل.

rl(null,true)])