• الرئيسية
  • المقالات
  • الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (84) دين إبراهيم وهو دين جميع الأنبياء واحد وهو قائم على الوحي المُنَزَّل (4)

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (84) دين إبراهيم وهو دين جميع الأنبياء واحد وهو قائم على الوحي المُنَزَّل (4)

  • 90

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛   

فقال الله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا . وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ‌وَكَلَّمَ ‌اللَّهُ ‌مُوسَى تَكْلِيمًا . رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء: 163-165)

في الآية فوائد:

الأولى: أن الدِّين الحق مبنيٌّ على الوحي المنزَّل من عند الله على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فكل دعوة تقوم على الوحي الذي يجمعه الله فيما أوحاه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، في الكتاب والسنة؛ فهي التي تستحق نسبتها إلى الأنبياء، وخاصة خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، وكل دعوة قامت على آراء الرجال؛ سواء في العقيدة أو العمل أو السلوك، فهي دعوة غريبة عن دين الأنبياء، فمَن قامت دعوته على عِلْم الكلام والفلسفة، وما سموه وظنوه العقل وما هو بعقل، في أمور العقيدة؛ فهي بدعة منكرة.

ولا يغرنك مَن يقول: إنها بدعة حسنة! ويزعم الحاجة إليها بعد حدوث هذه العلوم الأجنبية عن الدِّين، فمَن قال ذلك؛ فقد ادَّعى أن الدِّين لم يكتمل، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأتِ بالحق والهدى، فقد كانت هذه العلوم موجودة في زمنه صلى الله عليه وسلم وقبله بمددٍ طويلةٍ، ولم يستعمل النبي صلى الله عليه وسلم هذه العلوم قط في دعوته، ولا حَثَّ صحابته على تعلمها، ولا استعملها صحابته في دعوتهم وجهادهم في سبيل الله، بل دعوا الناس دائمًا بالآيات والأحاديث؛ فهدى الله بهم الأمم، ودخل الناس في دين الله أفواجًا وفتحت الأمصار بذلك.

ومَن قامت دعوته على التقليد الأعمى في العبادة والمعاملة، بزعم اتباع الأئمة الأربعة، وغير الأربعة، كما صارت إليه المذاهب في العصور المتأخرة؛ لا دخل لهم بالنصوص والاستدلال بها، بل العِلْم عندهم والفقه هو التخريج على أقوال الإمام، بل صارت أقوال الإمام عند المتأخرين لا يجوز للناس الأخذ بها ولو نص عليها في كتبه، بل يجب اتباع المقلِّدين مِن مذهبه الذين سموهم: أصحاب معتمد المذهب! فهذه الدعوة أيضًا حين تخلَّت عن النصوص وعارضتها بأقوال المشايخ صارت بدعة منكرة.

ومَن بَنَى دعوته في التزكية والإحسان وتهذيب النفس على مقامات وأحوال الصوفية المخترعَة، والتي تنتهي عندهم إلى الفناء ووحدة الوجود؛ فهذه دعوة ضلال وغي، لا هداية ورشد، وهي شر البدع؛ خصوصًا مَن وَصَل في الغلوِّ في المشايخ إلى درجة عبادة قبورهم، وطلب قضاء الحاجات، ودفع الكربات والمضرات منهم، واستغاث بهم وحَلَف بهم، وطاف بقبورهم؛ فهذا هو الشرك الأكبر، وإن كان الجهل بآثار الرسالة في المتأخرين، وقِلَّة العلم قد انتشرت؛ فلا بد مِن إقامة الحجة، واستيفاء الشروط وانتفاء الموانع قبل تكفير المعين منهم، كما نَصَّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة دعاء الأموات وغيرهم -كما سيأتي بيانه إن شاء الله-.

وأشد من ذلك خطرًا وبدعة وضلالًا: القول بوحدة الوجود، وأن الكونَ كله شيءٌ واحدٌ؛ فهذا الكفر الأكبر الذي هو شر مِن كفر المشركين، واليهود والنصارى، الذين كَفَّرهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم في محاجة قومه: (‌لَئِنْ ‌لَمْ ‌يَهْدِنِي ‌رَبِّي ‌لَأَكُونَنَّ ‌مِنَ ‌الْقَوْمِ ‌الضَّالِّينَ) (الأنعام: 77)، فدلَّ ذلك على أن الهدى هو مِن عند الله في الوحي المنزَّل، وإلا كان الضلال، وهو يرشد قومه إلى أن أصنامهم لا تهديهم ولا تبيِّن لهم شرعة ولا منهاجًا، حتى يخترعَ أحبارُهم ورهبانُهم وسدنتُهم هذه الشرعة والمنهاج، كما قال تعالى عن العِجْل الذي عبده بنو إسرائيل: (‌أَلَمْ ‌يَرَوْا ‌أَنَّهُ ‌لَا ‌يُكَلِّمُهُمْ ‌وَلَا ‌يَهْدِيهِمْ ‌سَبِيلًا ‌اتَّخَذُوهُ ‌وَكَانُوا ‌ظَالِمِينَ) (الأعراف: 148).

فلا بد في الهداية من مرجعية الوحي، وعلى كلِّ أحدٍ أن ينظر في نصيبه اليومي من الوحي؛ كتابًا وسُنَّة؛ فهل تعلمتَ اليوم آية وتفسيرها، وقرأتها وتدبرتها، وعَلِمت ما فيها من العقيدة والأحكام والتزكية؟! وهل تعلمت حديثًا وشرحه، وطبَّقتَ ذلك عمليًّا في نظام حياتك اليومية؟!

ولتحذر -أخي الكريم- أن تكون مجردَ مقلدٍ لمشايخك، وللدعاة الذين تسمع لهم؛ فإنهم لن يغنوا عنك شيئًا إن لم تحصِّل نصيبك من الوحي.

الفائدة الثانية: دين الأنبياء واحد، وهو دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وهو دين محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي قال: "نحن معشر الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى"، أي: شرائعهم مختلفة، وهذا الدِّين مبنيٌّ على الوحي، وقد مَرَّ بك -أيها القارئ الكريم- حديثُ أبي ذر الطويل، وما فيه من ذكر ما كان في صحف إبراهيم، وما فيها من المواعظ الجسيمة العظيمة، كما ذكر ذلك الحافظ المنذري بعد أن ساقه في الترغيب والترهيب، وهو إن كان ضعيف الإسناد؛ إلا أن ما فيه قد دَلَّ عليه الوحي قطعًا؛ كتابًا وسُنَّة، فنحن نقبل ما فيه مِن الحق وإن لم يصح إسنادُه.

والوحي جاء بالتوحيد، قال الله -تعالى- لموسى -عليه الصلاة والسلام- الذي خصَّه بالتكليم، ونص على ذلك في هذه الآيات، فقال: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، فقال في أول ما كلمه: (‌إِنَّنِي ‌أَنَا ‌اللَّهُ ‌لَا ‌إِلَهَ ‌إِلَّا ‌أَنَا ‌فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي . إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى . فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) (طه: 14-16).

فعبادة الله وحده، والإيمان باليوم الآخر والاستعداد له، هو أساس ما أوحاه الله للأنبياء، وقد أكثر الله من ذكر إبراهيم صلى الله عليه وسلم وبراءته من الشرك وأهله في غير موضعٍ من الكتاب العزيز، وهذا الذي يهدم فكرة الدِّين الإبراهيمي الجديد المزعوم، القائم على المساواة بين الشرك والتوحيد، وتجويز عبادة غير الله، وتصحيح دين مَن كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنبياء، فحقيقة هذا الدين المخترع: هدم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والكفر بالوحي الذي أوحاه إلى أنبيائه ورسله، وخاصة القرآن العظيم.

ولينتبه المسلمون إلى أن عنوان: "الدين الإبراهيمي الجديد" يرفضه الناس في بلاد المسلمين رسميًّا، لكنَّ الخطرَ هو قبول الأفكار التي تضمَّنها هذا الدين، بل والدعوة إليها، كما يكرِّرون في مؤتمراتهم وملتقياتهم على نشر القِيَم المشتركة بين الأديان، ويهملون القِيَم الفارقة بين الحق والباطل، التي أنزلها الله وسمَّاها الفرقان، قال الله تعالى: (‌وَأَنْزَلَ ‌الْفُرْقَانَ) (آل عمران: 4)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ‌وَيُكَفِّرْ ‌عَنْكُمْ ‌سَيِّئَاتِكُمْ) (الأنفال: 29).

فلا بد مِن نشر الفرقان، ولا بد أن نعرف صفةَ مَن كَذَّب الرسل في الكتاب والسنة؛ فهم قد وُصِفوا ووسموا بالشرك والكفر، وتوعَّدهم اللهُ بالنار، ومَن تأمل ما يُسمَّى بوثيقة الأُخوة الإنسانية، ووثيقة مكة، ومخرجات مؤتمر نشر القِيَم المشتركة بين الأديان، وبيانات لقاءات قادة الأديان؛ يجد هذا المعنى مقبولًا واضحًا جليًّا في كل ذلك، بل مصرِّحًا به!

فالحذر الحذر أيها المسلمون من هذا الخطر الداهم.

وللحديث بقية إن شاء الله.