نقاش هادئ (4)

  • 41

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

ثالثًا: الواجب على المسلم في الخلاف غير السائغ: أن يتبع الحق، ولا يجوز له أن يتبع قول أحدٍ كائنًا مَن كان، ويترك الحق الذي ظهر له.

رابعًا: يشترط لصحة الفتوى أن تكون مطابقة للواقع المستفتَى عنه؛ فالواقع الموجود الآن لا ينطبق على الصورة التي ذكرها في الفتوى، فلا يخفى على كلِّ منصف مدرك للواقع، أن مثل هذه الاحتفالات لا تخلو من منكرات: كالمعازف والاختلاط، والتمايل والرقص؛ فضلًا عن الغلو البدعي والشركي في النبي صلى الله عليه وسلم.

خامسًا: حتى لو افترضنا أنها خلت من هذه المنكرات، وأنها اقتصرت على الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر شمائله وإنشاد الشعر المقبول شرعًا في مدحه صلى الله عليه وسلم، وإدخال السرور على النفس والأهل والتوسعة عليهم بالحلوى، فهذه الصورة أيضًا لا تجوز، وهي الصورة البدعية التي تكلمنا عنها سابقًا في النقطة الثانية؛ فضلًا عن أن تخصيص يوم بإدخال السرور على النفس والأهل والتوسعة عليهم، واعتقاد أن ذلك قربة في هذا اليوم، يدخل في مسمى العيد الذي لم يشرع لنا إلا في عيدين فقط، هما: الفطر والأضحى، فمثل ذلك ابتداع في الدين بإحداث عيد آخر.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: "العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائد: إما بعود السنة، أو بعود الأسبوع، أو الشهر، أو نحو ذلك، فالعيد: يجمع أمورًا؛ منها: يوم عائد: كيوم الفطر، ويوم الجمعة. ومنها: اجتماع فيه. ومنها: أعمال تتبع ذلك من العبادات، والعادات" (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم).

فليس للمسلمين إلا عيد الفطر وعيد الأضحى؛ لما جاء عن أنس رضي الله عنه قال: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: "مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟" قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن لكل قومًا عيدًا، وهذا عيدنا أهل الإسلام".

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "وللنبي صلى الله عليه وسلم خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة، مثل يوم بدر، وحنين، والخندق، وفتح مكة، ووقت هجرته، ودخوله المدينة، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا، وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى عليه السلام أعيادًا، أو اليهود، وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتبع، وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه" (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم).

فهذا التخصيص يحتاج إلى دليل، فالتخصيص في العبادات بغير دليل بدعة في الدين.

سادسًا: قد يقول مَن جوَّز الاحتفال: أنه قد قال به بعض العلماء بداية من القرن الرابع الهجري، فبالتأكيد هم أعلم منا، وقد علموا ما لم نعلمه نحن، فهل أنتم "أي: المانعين من الاحتفال في زماننا" أعلم بالشرع من هؤلاء العلماء؟!

فنقول: إن هذا الكلام مضمونه في الحقيقة اتهام للصحابة وللقرون الثلاثة الأولى بأن علمهم أقل ممَّن جاء بعدهم، فمثل هذا الكلام قدح في الصحابة، وفي القرون الثلاثة الخيرية الأولى، فنحن لم نقل نحن أعلم، أو قارنا أنفسنا بهم، بل نقول: القرون الثلاثة الأولى أعلم وأفهم للدين منهم، وأحق بالاتباع منهم؛ ولذلك قال مالك رحمه الله: "من أحدث في الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها؛ فقد زعم أن الرسول خان الرسالة".

وقد سئل تقي الدين السبكي عن بعض المحدثات فقال: "الحمد لله، هذه بدعة لا يشك فيها أحدٌ، ولا يرتاب في ذلك، ويكفي أنها لم تُعرف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في زمن أصحابه، ولا عن أحدٍ من علماء السلف" (فتاوى السبكي).

فضلًا عن ذلك؛ أنه بهذا الكلام يسلك سلوك المبتدعة الذين ناظروا الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن حينما كانوا يحتجون عليه بالأقوال والتأويلات الفاسدة التي أتوا بها، واستدلوا بها، فوقف الإمام أحمد موقف المنافح المدافع عن منهج الاستدلال الصحيح، وقال لهم: "ائتوني بشيء من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول به"، وأهل الحق في هذا الزمان كذلك يقولون: ائتونا بشيء أو بأثر عن القرون الثلاثة الخيرية الأولى في الاحتفال بالمولد النبوي كما تزعمون، ونحن نقول به. 

فيجب على المسلم أن يكون متبعًا للحق متعصبًا له، وليحذر من اتباع الهوى أو التعصب للأشخاص؛ خاصة إذا خالفوا الحق، ومَن أراد الاحتفاء الحقيقي بمولده صلى الله عليه وسلم فليفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك: بصوم كل يوم اثنين من كل أسبوع.

اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

 اللهم آمين.