قبول الآخر بين القبول والرفض

  • 146

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فتنظر الثقافة الغربية لمبدأ (قبول الآخر) باعتباره أهم مفاخر منتجاتها القيمية، والثقافية، وتعبِّر مع مجموعة القيم الأخرى عن مضمون الديمقراطية الغربية.

ومع اتساع نطاق (العولمة) سعت القوى الغربية لفرض منظومة قيمها بكل الوسائل والطرق؛ حتى صارت هذه المنظومة قانونًا عالميًّا ملزمًا لكافة الدول؛ بغض النظر عن اختلاف سياقها الثقافي والديني.

تلقف الداخل -المنهزم حضاريًّا تحت وقع الانهزام المادي- المصطلح المصدر، وعمل على تأصيل المفاهيم الغربية الحديثة داخل المرجعية الثقافية والتراثية الإسلامية، لكي يبرهن بذلك على أصالة الدخيل، وأن له جذورًا؛ إما في ديننا وشرعنا، أو -على الأقل- في تراثنا بشكل عام، وهو ما أسماه المفكر المغربي محمد عابد الجابري في إحدى محاضراته بـ(تبيئة المفاهيم الحديثة في ثقافتنا).

وقد وجد "الجابري" ضالته في تجذير التسامح وقبول الآخر، في مفهوم العدل عند المعتزلة، والحرية عند القدرية، ومفهوم الإيمان عند المرجئة؛ باعتبار هذه المفاهيم هي الأسس الفكرية لمفهوم التسامح، ونبذ التعصب، وهي أطروحة غريبة جدًّا تتجاهل حقيقة هذه الفِرَق وتعسفها مع المخالف، بل وتكفيرها له، بل وتتجاهل دلالة هذه المفاهيم والمصطلحات عند هذه الفرق، وأنها لا تعني من قريب أو من بعيد فكرة قبول الآخر عند الغرب.

فالعدل عند المعتزلة يعني نفي القدر؛ أي: نفي إرادة الله -سبحانه وتعالى- وخلقه لأفعال العباد، وإثبات الإرادة المطلقة للعباد، وخلقهم لأفعالهم الاختيارية! وهذا هو ما يسمى بالحرية عند القدرية، وهذا طعن في ربوبية الله سبحانه وتعالى، وفي شمول قدرته وإرادته ونفوذها؛ لأن إرادة العبد ليست مستقلة، بل هي تحت مشيئة الرب، كما أنها ليست ملغاة، بل لها أثر في وجود فعله.

ومفهوم الحرية لا يعني عند المعتزلة أن العبد لا يحاسب على أفعاله، بل يغالون فيكفرونه بارتكاب الكبيرة وإن سموه فاسقًا، لكنهم يعتبرونه في منزلة بين الإيمان والكفر، ويحكمون بخلوده في النار في الآخرة.

وأما الإيمان عند عامة المرجئة: فيشمل التصديق والقول دون العمل، فيخرجون العمل من مسمى الإيمان، والغلاة منهم يقصرونه على المعرفة، وبالتالي فلا أثر لطاعة أو معصية في زيادة الإيمان عندهم.

وهم على النقيض من قول المعتزلة والخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة، وزوال الإيمان بالمعاصي والإصرار عليها.

وفي السنوات الأخيرة تجاوزت حالة الدعاية للقِيَم الغربية النُّخَب والمثقفين، الذين شكَّل خطابهم النخبوي حاجزًا بينهم وبين الجماهير؛ لتروج هذه المفاهيم بطريقة شعبوية مبسطة، مستهدفة قطاعات عرضية واسعة من الشباب المسلم، عبر سلسلة من المناشط الثقافية التي تركِّز جل جهودها على ثقافة قبول الآخر بشكل مثير للانتباه، مِن: أفلام وروايات، وكارتون أطفال، ومؤتمرات، وورش عمل؛ كلها عن قبول الآخر!

تحاول كل هذه الفعاليات إيصال فكرة محددة، وهي: أن الإشكالية ليست في الآخر الملحد أو الشاذ، أو فاعل المنكر بشكل عام بقدر ما هي في المجتمع الذي لا يتقبلهم، والواجب حينئذٍ هو تغيير المجتمع لا تغيير المنكر، ولا يقتصر الأمر على دعاة الليبرالية، بل يشاركهم في ذلك بعض الدُّعاة ممَّن يقدمون خطابًا ليبروإسلاميًّا، حتى كتب بعضهم كتابًا يصف فيه إبليس أنه أول مَن رفض الآخر، بخلاف الملائكة التي تقبلت الآخر!

وهو يبيِّن مدى السخف الذي يمكن أن يصل إليه العقل المشبع بالتقليد الأعمى، ومحاولة إنتاج مفاهيم في غير سياقها الموضوعي أو التاريخي؛ فسبب كفر إبليس ولعنه هو: الإباء والاستكبار، وعدم الاستسلام لأمر الله بالسجود لآدم وليس رفض الآخر، والملائكة استجابت لأمر الله الذي كرَّم آدم بأنه خلقه بيده.

النشأة التاريخية للمصطلح:

برز مفهوم التسامح وقبول الآخر في منتصف القرن السادس عشر، أثناء الصراع المشتعل بين الكاثوليك والبروتستانت؛ الذين كان الكاثوليك يكفرونهم، ويرونهم هراطقة خارجين عن الدِّين.

حاولت أوروبا التغلب على صراعاتها المذهبية عن طريق إحياء التسامح وقبول الآخر، وتطور هذا المفهوم عبر مراحل عدة، حتى وصل في زمننا إلى دعوة البابا فرنسيس لقبول الملحد والمثلي!

ورغم كل هذا ظل هذا الآخر مقبولًا شريطة الذوبان في الأنا الغربي. وأما خارجه فظلت النظرة الدونية الاستعلائية من الأوروبي الأبيض لكلِّ مَن سواه باعتبارهم مخلوقات أدنى منه، وظل هذا الأوربي الأبيض لا يرى في الآخر المسلم والعربي إلا مجموعة من البرابرة الهمج، يجب على السيد احتلالهم والتحكم في مقدراتهم.

من الواضح إذًا اختلاف السياق الذي تم فيه إعادة إنتاج المصطلح، فالثقافة الإسلامية لم تعرف عبر تاريخها، اعتبار المخالف في اللون، والجنس، والعرق مكونًا آخر، وتعاليم الإسلام واضحة في نفي الأفضلية إلا بالتقوى.

والملاحظ: أن الغرب لم يستطع حتى الآن، التغلب على موجات رفض الآخر في داخل مجتمعاتهم، وليس أدل على ذلك من تنامي شعبية التيارات اليمينية المتطرفة، وصعود أحزابها بشكل كبير في أكثر الدول الغربية؛ كل ما سبق لا يعني رفض المفهوم لمجرد كونه دخيلًا، ولكن يبقى الإشكال دومًا: أيهما يكون معيارًا يحاكَمُ إليه؟

هل نحاكم الشرع وَفْق معيارية قبول الآخر فنرد أو نتأول ما يخالف المعيار المخترع؟ أم نجعل الشرع حاكمًا على كلِّ الثقافات، والمفاهيم، والفلسفات الوافدة مهما كانت سطوتها؟

هذا ما يحتم علينا أن نضع بعض المحددات التي من خلالها ننظر: مَن هو الآخر؟ وما معنى قبوله؟ ومدى توافق أو تصادم المفهوم مع الشريعة.

أولًا: قبول الآخر والنسبية:

اكتوت أوروبا عبر تاريخها بالحروب المذهبية والدينية، وقد كرست هذه الخلفية ثنائيات كثيرة في البنية المعرفية الغربية، وما يهمنا في موضوعنا: ثنائية المطلق والتعصب، والنسبي وقبول الآخر؛ فادعاء احتكار الحقيقة المطلقة في الدين سيؤدي للتعصب ضد المخالف، ورفض وجوده، والحل -من وجهة النظر الغربية - يكمن في الإيمان النِّسبي ورفض المطلق.

وقد وصل الغلو في رفض المطلق لدرجة أن يرفض بعض المثقفين الليبراليين كلمة التسامح؛ لأنها -بزعمه- تنطوي على موقف استعلاء "حيث يوجد المتسامح في مستوى أعلى والمتسامح معه في مستوى أسفل!".

ولا توجد هذه الثنائية في الثقافة الإسلامية، فالمسلمون الذين يعتقدون اعتقادًا مطلقًا بصحة دين الإسلام، وبطلان ما سواه، شهد لهم خصومهم أنهم كانوا في غاية التسامح مع غير المسلمين، وهي شهادات مشهورة.

وأما اللون والجنس والعرق فلم يعتبره المسلمون من المكون (الأنوي)، ومِن ثَمَّ فلا آخر من الأساس، بل هو نفس المؤمن، كما التعبير القرآني الفريد في أكثر من موضع (وَلا تَلمِزوا أَنفُسَكُم) (الحجرات: ١١)، وقوله -تعالى-: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) (النساء:٢٩).

ثانيًا: الولاء والبراء والتسامح:

يخلط البعض بين هذين المقامين؛ سواء من الإسلاميين أو الليبراليين، فالولاء والبراء أصل مجاله العقائد التي لا مجال للمداهنة فيها، بخلاف التسامح فإن مجاله المعاملة، والله -تعالى- الذي قال: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8)، هو -سبحانه- الذي قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51).

وغيرها من الآيات الكثيرة جدًّا، ولا تعارض؛ فمعاني الولاء تدور حول المودة القلبية، والرضا بدينه، وتصحيح دينهم، والنصرة لهم على ذلك، وطاعتهم فيما يأمرون به من الكفر والصد عن سبيل الله، والتشبه بهم في عباداتهم وعاداتهم الخاصة المميزة لهم، ونحو ذلك من المعاني التي تدور حول ما ذكرنا.

وأما البر والإقساط فيتعلق بأمور المعاملات التي تؤدي للتعايش السلمي: كالبيع والشراء، والإجارة، وكذلك شرع لمصلحة التأليف على الإسلام: الإهداء إليه وقبول هديته، وزيارة مريضه، وتعزيته، ونحوها من مظاهر المعاملات التي تحقق التعايش بين أبناء الوطن الواحد وإن اختلفت أديانهم، بل ذهب الإسلام لما هو أبعد من كلِّ هذا، فأحل -بضوابط شرعية- زواج المسلم من الكتابية العفيفة، وهي أرقى صور التعايش السلمي، وقد تحقق التعايش السلمي واقعًا حيًّا في المدينة لما هاجر إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- وقت أن كان العالم لا يعرف شيئًا عن هذه المعاني.

ثالثًا: النهي عن المنكر الصادر من الآخر:

النهي عن المُنكَر مما لا يروق لدعاة "قبول الآخر"، وهو يمثِّل إشكالية ضخمة بالنسبة لهم، فقطعيته من الدِّين لا تحتمل عبثًا اعتادوه باسم التأويل والتفسير، وهو في أدنى صوره (الإنكار بالقلب) يتصادم مع أدنى درجة في قبول الآخر، وهو التقبل لحقه فيما يعتقد أو يعمل، فضلًا عن الإنكار باللسان الذي يعتبره البعض وصاية مرفوضة، فضلًا عن التغيير باليد -ولو من الدولة- الذي يعتبره البعض تدخلًا في الحرية الشخصية.

فالشرع قد أوضح بشكل قاطع أن ما يسمونه الآخر (تخففًا في اللفظ) والذي يخالف دين الإسلام وشريعته، اسمه في الشرع منكر ومرتكبه مرتكب لمنكر وأعظمه الشرك بالله، ثم البدع، ثم الكبائر والفواحش، ثم سائر المعاصي والذنوب، وهذه كلها يجب إنكارها؛ أولًا: حماية للمجتمع الذي حقه مقدَّم في أن نقيه من هذه المنكرات وفي منع نزول العقاب العام به. ثم ثانيًا: هو حماية للأفراد الذين يرتكبون المنكر؛ لأن المنكر يضر بهم وبذويهم وأقاربهم، فمقتضى النصيحة لهم أن ننصرهم على أنفسهم بمنعهم من المنكرات، وأن نسعى في نجاتهم من عذاب الآخرة، وأن ندلهم على طريق السعادة في الدنيا والآخرة في العمل بطاعة الله -سبحانه وتعالى-.

وهذه الوصاية لصاحب المعروف على مرتكب المنكر أمر يقره العقلاء، فضلًا عن خطاب الشرع؛ إذ لو ترك صاحب المنكر يفعل ما يشاء بدعوى أن هذا حق له لكان له أن يرتكب الجرائم من القتل والاغتصاب والسرقة، وهي أمور ينكرها- حتى الآن- الجميع ويضعون العقوبات لها في القوانين، وما هذا إلا لإقرارهم بخطورتها على المجتمع، وكذلك كل ما عده الشرع منكرًا ففيه ضرر على صاحبه وعلى للمجتمع.

والحرية الشخصية تقبل التقييد عند الجميع بما يخالف أعراف المجتمع وقيمه، وهي عند المسلمين مقيدة بحدود الشريعة التي تدعو إلى الخضوع والاستسلام لله رب العالمين.

ومما يجب التنويه له: أن هذه الشعيرة العظيمة قد وَضَع لها الفقهاء ضوابط كثيرة؛ لما لها من خصوصية في احتمال تحولها إلى أداة فتنة إذا خرجت عن هذه الضوابط، فيصير الإنكار في ذاته منكرًا يجب النهي عنه، ولا تحمل تبعاته للشريعة.

رابعًا: الحرية الدينية وحد الردة:

منح الإسلام حق الاختيار في الدنيا، وعدم الإكراه في الدين (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة:٢٥٦)، مع الدعوة إلى الرشد وبيان أنه لا مساواة بينه وبين الضلال والغي (‌قَدْ ‌تَبَيَّنَ ‌الرُّشْدُ ‌مِنَ ‌الْغَيِّ) (البقرة: 256)، مع شرط ألا يمنع من نشر دين الإسلام في الناس، وأن لا يحول بينهم وبين الإيمان وإلا كان طاغوتًا؛ فليس من حق أحد أن يحول بين الناس وبين دين الله.

وطبَّق المسلمون هذا في واقعهم عبر التاريخ؛ فلم يكرهوا اليهود ولا النصارى ولا غيرهم على تغيير دينهم، ولا يستثنى من هذا إلا حالة واحدة، وهي "حالة الردة" التي جاء فيها الحديث الصحيح: (مَنْ ‌بَدَّلَ ‌دِينَهُ ‌فَاقْتُلُوهُ) (رواه البخاري)، التي يظهرها صاحبها ويفشيها في المجتمع، وهو ما يماثل "الخيانة العظمى" في الدولة الوطنية؛ فالأمر لا يتعلَّق بحريته وحق اختياره للدِّين، بقدر ما يتعلق بالحفاظ على المجتمع من البلبلة؛ وإلا فما المانع إذا فتح الباب على مصراعيه أن يدعي قوم الإسلام كذبًا ثم يخرجون منه بدعوى لم نقتنع؟!

وقد حدثنا القرآن عن طائفة من اليهود كانت تمارس هذه الحرب النفسية ضد المسلمين: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (آل عمران:72).

ومع ذلك وضع العلماء للحكم بالردة ضوابط صارمة تمنع التساهل فيه، ولم تجز للحاكم عقد محاكم التفتيش على العقائد المضمرة، ولا ما استتر من الأقوال والأفعال، ولعل هذا أحد أسباب عدم إقامة النبي -صلى الله عليه وسلم- حد الردة على مَن علم نفاقه عن طريق الوحي، أو عدم وجود بينة ونحو ذلك، واكتفى -صلى الله عليه وسلم- بظواهرهم، ووكل سرائرهم إلى الله.

وهذه النقاط التي سبقت تمثِّل مسارات تصادم بين فكرة التعايش في الإسلام، وبين "قبول الآخر" في الثقافة الليبرالية، وهذا لا يمنع من وجود مساحات اتفاق؛ فلا إنكار في الخلافيات التي لا تصادم البينات، ومعاملة غير المسلمين بالسماحة والبر والإقساط، ومساواة الجميع ابتداءً أمام القضاء، وتقرير حرية اختيار الفرد لدينه في الدنيا في خاصة نفسه، وعدم الإكراه في الدِّين، ونفي التفضيل إلا بالتقوى، وإلغاء اعتبار الجنس أو اللون أو العرق كأساس للاضطهاد، ورفض الوجود؛ كل ما سبق مسارات اتفاق، وإن كانت على أساس مختلف.